صمت جنائزي لـ “أبواق باريس” أمام الحراك الطلابي في فرنسا

تعيش عدد من المدن الفرنسية مؤخرا على وقع غليان غير مسبوق إثر الاحتجاجات التي يتزعمها طلاب الثانويات الذين انتفضوا ضد ما اعتبروه نقص المدرسين وسوء ظروف التدريس، قبل أن تتحوّل إلى مظاهرات وتخريب للممتلكات واشتباكات أدت إلى أزمة خطيرة تعامل معها “الإليزيه” بصرامة قاسية انتهت باعتقالات وتدخلات أمنية عنيفة مع إغلاق ما بين 400 و 500 مدرسة بسبب انعدام شروط السلامة.
بيد أن الملفت للنظر، هو السكوت الذي هيمن على شريحة تقيم بين ظهرانينا لكنها تدين بالولاء لـ “الجمهورية الخامسة” بحيث ترمق كل ما يصدر عن باريس بعين التقديس والتبجيل وكأن “ماماهم فرنسا” معصومة من الخطأ وخارجة عن قانون البشر، كيف لا وهم الذين تجندوا و أعدوا العدة للدفاع بضراوة عن “ولية أمرهم” و توجيه سهام النقد للمملكة في مناسبات كثيرة سابقا نذكر منها على سبيل المثال بيان المسمى فؤاد عبد المومني الذي لام فيه المغاربة على مقاطعتهم لمنتوجات شركة “سنطرال” الفرنسية سنة 2018 دون أن يقحم معها الشركتين الأخريين “سيدي علي” و “أفريقيا” اللتان طالتهما المقاطعة بدورهم وهو ما قال عنه عدد من النشطاء حينها بتهكم أنه من أصحاب “الكسدة” في المغرب و العقل في “الشانزيليزيه”.
ولأن المناسبة شرط، نتذكر كذلك انتفاضة “الطابور الخامس” الموالي لباريس أثناء سقوط اسم فرنسا من لائحة الدول الأربع (بريطانيا – قطر- إسبانيا – الإمارات) التي قبل منهم المغرب الإعانات إبان فاجعة زلزال الحوز سنة 2023، وكيف بذل هؤلاء “الأباليس” كل ما في وسعهم لتشويه المغاربة وملكهم بسبب امتناع السلطات المغربية عن طلب العون من “الإليزيه” دون إغفال سعيهم الحثيث لتصوير المغرب كـ “محمية فرنسية” في الإعلام الدولي.
بالمقابل، ومع تواتر صور العنف والتخريب القادمة من ”بلاد الأنوار” هذا الأسبوع، وعلى عكس ما حدث في مقاطعة 2018 وزلزال 2023، ارتأت هذه الفئة التواري خجلاً خلف جدران الصمت المريب دون أي تعليق أو النبس ببنت شفة تجاه الحركة التلاميذية الغاضبة التي تهز المدارس والثانويات الفرنسية وتملأ شوارع المدن هناك رفضا للسياسات التعليمية المتدهورة.
“وليدات فرنسا” الذين طالما أرهقوا مسامعنا بالتزلف لقيم الثورة والحرية وحقوق الإنسان، أخرستهم التطورات الراهنة وجعلتهم ينكمشون في جحورهم تفادياً للإحراج، إذ أن مشاهد الثانويات الفرنسية وهي تحترق تحت وطأة الغضب الشبابي، نسف السردية المثالية التي ظلوا يروجون لها سنين طويلة والتي تتمحور أن أوروبا هي “الفردوس الأعلى” ديمقراطيا وحقوقيا، كما اندهشوا للمناظر القادمة من فرنسا لأحفاد “نابوليون” وهم يغزون الشوارع ويطوقون المدارس للتظاهر مواجهين رجال الشرطة بشراسة تتجاوز بكثير ما تشهده دول العالم الثالث.
وحتى لا نحيد عن الإطار، فإن ازدواجية المعايير المفضوحة لدى هذا التيار السوداوي تتجلى عند مقارنة موقفهم الراهن بسلوكهم الهجومي الحاد أثناء حراك “جيل زد” في ذروة الاحتجاجات الشبابية بالمغرب، حيث انبرى يومها ”حراس المعبد” لإمطار الوطن بشتى أصناف الاستهجان والنقد اللاذعين، متهمين الدولة بالقمع والتضييق مع ترديد معزوفات من قبيل الانهيار والاستبداد ناهيك عن إبداءهم النية لتقديم يد العون للمنظمات المحلية و الدولية مثل AMDH و HRW مع غض الطرف عن الرواية الرسمية للدولة التي عانت من خسائر فادحة في الأرواح و الممتلكات إزاء هذه الاحتجاجات اللاسلمية.
وطبقاً لمقولة “حلال عليهم.. حرام علينا”، يتكشف خلل هذه “الكتيبة” التي تمارس التحيز الفكري وتعيش بعقل مفصول عن الواقع، إذ يؤمنون أن ما يقع في الديار الفرنسية مجرد احتجاجات عادية تندرج ضمن حيوية المجتمع المدني يحق معها للقوات العمومية التدخل وفق ما يمليه عليها القانون، بينما يعاملون أي إجراء أمني في المغرب باعتباره سلوكاً غير مدني معتبرين أن ملاحقات شباب “جيل زد” شابتها انتهاكات وغابت عنها ضمانات المحاكمة العادلة، مفضلين تقمص دور “العبد” الذي يتفحص عيوب داره بعدسة مكبرة لكنه يعشي بصيرته عن الشروخ الهائلة في منزل سيده.
هذا الخرس الاختياري المريب لدى ”وليدات فرنسا” يكشف عن حالة من الفصام النفسي والحضاري تجعلهم يتغذون على جلد الذات وتأليه الآخر، متناسين أن الشباب الفرنسي خرج ليستغيث من تدهور الخدمات التعليمية و طول أيام الدراسة تماماً كما يفعل الشباب في كل بقاع الأرض، بل الأنكى أن الشعارات المرفوعة في ثانويات فرنسا اليوم تتجاوز بسقفها الكثير مما نراه هنا، الأمر الذي يضع مريدي “إيمانويل ماكرون” في مأزق أخلاقي، فلا هم دافعوا عن ديمقراطية الغرب كما يدعون، ولا هم تركوا أثرا طيبا لدى أبناء بلدهم إذ يجوز فيهم المثل الشعبي القائل “لا ديالي بقا .. لا وجهي تنقى”.
ختاماً، لا يسعنا سوى القول أن هذه الحاشية المتملقة لفرنسا والقابعة في المغرب تشكل نموذجاً لانسلاخٍ هوياتي زائف، تطبل للأوروبي وتصفق له وفي نفس الوقت تكيل بمكيالين ضد وطنها الذي يطعمها من جوع ويؤمنها من خوف، مجردةً نفسها من كل أصالة أو شهامة مغربية في سبيل تبعية ثقافية وفكرية عمياء للمستعمر السابق.



