الجزائر.. تباين صارخ بين رعونة الجنرالات و عقلانية الإمارات
دشنت الجزائر اليوم فصلًا جديدًا من تاريخ التخبط السياسي الذي ميزها خلال السنوات الأخيرة وذلك جراء إقدام نظامها على خطوات تصعيدية تجاه دولة الإمارات العربية المتحدة و إعلان قطع العلاقات الدبلوماسية مع أبو ظبي مع منح السفير الإماراتي في البلاد مهلة 48 ساعة للمغادرة و حظر الطيران الإماراتي من التحليق فوق الأجواء الجزائرية.
و لعل هذا السلوك المتردي نابع بطبيعة الحال من رغبة السلطة العسكرية الحاكمة في الهروب مجددا من أزماتها الداخلية المتراكمة، ومحاولة إشغال الشارع الجزائري بأعداء وهميين كما حدث قبل سنوات مع المغرب، إذ صار افتعال المشاكل الخارجية الحيلة المفضلة للنظام للتغطية على الفشل التنموي والسياسي تغنيه عن إيجاد حلول واقعية لمعاناة المواطنين.
فالجزائر التي يرتهن اقتصادها بتقلبات أسعار النفط والغاز في ظل غياب تنويع حقيقي لمصادر الدخل، تعاني من تفاقم معدلات البطالة وغلاء المعيشة والتضخم، ناهيك عن الانسداد السياسي والتضييق على الحريات العامة، فضلاً عن ضعف الخدمات العمومية وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، وهو ما من شأنه توليد احتقان اجتماعي مستمر قد يسفر عن حراك شعبي ترتعد معه فرائص الجنرالات.
إن حالة الارتباك هاته وفقدان البوصلة واتخاذ قرارات دبلوماسية متسرعة هو سلوك معهود، إذ يمكن استشفافه في الخطابات الرسمية واللقاءات الإعلامية للرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، والتي تتسم غالبا بالانفعال والضجيج والادعاءات والاتهامات الملفقة تجاه عدد من الدول العربية على رأسها المغرب و الإمارات، و هو الأسلوب الذي يضر بمكانة الجزائر كنظام أولا و كدولة ثانيا، كما يزيح الستار عن الكيفية التي تدفع بها المؤسسة العسكرية رئيس الدولة (الذي نصبته بنفسها) نحو الهاوية، تمهيدًا للتضحية به وجعله كبش فداء عند اشتداد أي أزمة كما جرى في محطات تاريخية سابقة.
من جهة أخرى، فقد امتد التحرش السياسي للزمرة الحاكمة في الجزائر تجاه دولة الإمارات العربية المتحدة عبر سنين طويلة عانت منها أبو ظبي من شتى أنواع الاستفزاز و التطاول، إذ سخرت السلطة أجهزتها الإعلامية وأبواقها التوجيهية لتلفيق الافتراءات وتشويه الدور الإماراتي الرائد في المنطقة، مستهدفة بهذه الحملات الهستيرية المتكررة صناعة عدو وهمي لامتصاص الاحتقان الداخلي وتغطية الانكسارات التنموية المتراكمة و شحن الشارع المحلي بأوهام المؤامرة الخارجية.
ولسخرية القدر، فالإمارات التي أرادت دولة العسكر مقارعتها، تعتبر نموذجا للدولة النفطية الناجحة حيث استطاعت بناء اقتصاد معرفي مرن ومتنوع ورخاء اجتماعي يضع المواطن الإماراتي في صدارة الأولويات، إضافة إلى تبني أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي وعلوم الفضاء، وتبوّء مركز عالمي مرموق في جذب الاستثمارات وصناعة التأثير الدبلوماسي والإنساني على الساحة الدولية، على عكس الجزائر التي تمتلك بدورها ثروات نفطية وغازية هائلة تتجاوز الكثير من الدول، لكن إدارة هذه الموارد كانت كارثية بكل المقاييس تعود بالنفع فقط على زمرة قليلة من الجنرالات و أبناءهم في حين تبقى كل آمال المواطن الجزائري البسيط محصورة في التفكير بالهجرة والفرار من واقع يحاصره الجمود والتردي.
من جهة ثانية، يمكن إرجاع قرار الجزائر المتهور بقطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات، إلى ارتماءها في أحضان المشروع الإيراني و هو الانحياز الذي أفقد البلاد وزنها ومصداقيتها، مما جعلها تصدر بيانات ضعيفة تتجنب فيها حتى تسمية الميليشيات الحوثية باسمها عند الاعتداء على دول عربية كالسعودية، خوفًا من إغضاب طهران وحلفائها على حساب التضامن العربي، كما أن هذا التموضع سيحول الجزائر عاجلا أم آجلا إلى رأس حربة لدعم السياسات التوسعية الإيرانية في المنطقة و من شأنه زيادة عزلتها العربية وقطع ما تبقى من جسور الثقة مع أشقائها.
على الجانب الآخر، جاء الرد الإماراتي هادئًا ورزينًا، يترفع عن المهاترات الجانبية والتصريحات العشوائية حينما أظهرت الدبلوماسية الإماراتية حرصًا على بناء الجسور والتركيز على العلاقات الطيبة بين الشعوب، ممثلة في تصريحات مستشارها أنور قرقاش الذي قال أن العلاقات الدبلوماسية تدار بالعقل ولا تكون رهينة احتقان داخلي، مما يبين الفرق الواضح بين الحكمة السياسية التي تبني الاستقرار، وبين المراهقة التي تعتمد الإثارة وتصدير الأزمات.
إن الرهان الأكبر اليوم لإنقاذ الجزائر يعتمد على وعي شعبها بالدرجة الأولى، و الذي يستحق قيادة تحترم عقله وتستثمر ثروات بلاده في البناء والتنمية الحقيقية زيادة على التوقف عن صناعة الأعداء الوهميين، والاعتراف بالاختلالات الداخلية، والعودة إلى الصف العربي، في سبيل تخليص البلاد من حالة الاستنزاف والعزلة التي يفرضها النظام العسكري الحاكم.



