فضيحة للجيش الإسباني في سبتة المحتلة.. وثيقة اسخباراتية تكشف تعمد تقاعس الجيش مقابل استباق المغرب

لم تعد القضية التي فجرتها أحداث سبتة المحتلة مرتبطة فقط بحجم التدفق البشري الذي عرفته المدينة، ولا بمسؤولية هذا الطرف أو ذاك عن انفجار الوضع على الحدود. فالمعطيات التي تكشفت خلال الأيام الأخيرة تفتح ملفا أكثر حساسية.

إسبانيا لم تكن تفتقر إلى المعلومات، بل كانت تجمعها من أكثر من مصدر، بما في ذلك عبر اعتراض اتصالات أمنية مغربية، ثم أخفقت في تحويل ما جمعته إلى إنذار فعال في الوقت المناسب. والأكثر إثارة أن جزءا من هذه المعلومات كان متاحاً قبل الأحداث بأيام، في حين لم تصل بعض التقديرات إلى قمة هرم القرار العسكري إلا عندما كانت الأزمة قد بدأت فعليا.

المفارقة الأكبر تكمن في طبيعة المعلومة التي حصلت عليها مدريد. فبحسب الوثيقة التي كشف عنها حديثا، التقط الفوج 32 للحرب الإلكترونية في الجيش الإسباني محادثات لعناصر مغربية مكلفة بالمراقبة في منطقة تاراخال، وكانت المحادثات تتحدث عن احتمال وقوع دخول جماعي إلى سبتة، وعن ضرورة بقاء العناصر في مواقعها والاستعداد لاحتمال العبور عبر البر أو البحر. أي أن جهازا إسبانيا كان يتجسس على اتصالات أمنية مغربية، لكنه لم يعثر فيها على ما يثبت وجود خطة مغربية لتسهيل الهجوم؛ بل عثر على أجهزة مغربية تتعامل مع احتمال الهجوم باعتباره خطرا ينبغي الاستعداد لمنعه. وهنا تنقلب وظيفة الوثيقة من ورقة يمكن توظيفها ضد الرباط إلى سؤال محرج لمدريد: ماذا فعلت إسبانيا بالمعلومة التي حصلت عليها بفضل تجسسها؟

والأخطر أن الوثيقة لا تبدو مجرد تسجيل استخباراتي عابر، بل تحذيرا كان يحمل عناصر زمنية وعملياتية واضحة. فالمحادثات التي أوردتها التقارير أشارت إلى دعوات عبر شبكات التواصل لدخول جماعي بالتزامن مع أيام الاحتفال بعيد العرش، وإلى احتمال تنفيذ العبور من السياج أو البحر، بينما خلص التقييم الاستخباراتي الإسباني إلى أن وقوع محاولة جماعية كان مرجحا جدا. ومع ذلك، تشير المعطيات المنشورة إلى أن هذه المعلومة بقيت داخل المسار العسكري قبل أن تصل إلى رئيس أركان الدفاع صباح يوم الأزمة. هنا لا يعود السؤال: هل كانت إسبانيا تعلم؟ بل: لماذا لم تتحرك وهي تعلم؟

عند جمع هذه الخيوط، تظهر صورة مختلفة تماما عن رواية المفاجأة. فقبل 30 يوليوز كانت هناك مؤشرات من شبكات التواصل، واتصالات استخباراتية، وتحذيرات موجهة إلى مسؤولين إسبان، ومعلومات تم الحصول عليها من الجانب المغربي، بل واجتماعات أمنية عاجلة داخل سبتة. ومع ذلك، تحاول بعض الروايات الرسمية اللاحقة التقليل من قيمة هذه المعطيات بحجة أنها لم تكن ترقى إلى إنذار رسمي أو لم تكن تسمح بتقدير حجم التدفق. وهذه الحجة، حتى لو كانت صحيحة من الناحية الإجرائية، تطرح سؤالا أكثر إحراجا إذا كانت الأجهزة تعرف بوجود محاولة منظمة محتملة، فما وظيفة أجهزة الاستخبارات إذا لم تكن مهمتها تحويل تراكم المؤشرات إلى تقدير للخطر؟

أما قصة غونزالو سانز، فتمنح الملف بعدا مؤسساتيا أكثر خطورة. فالرجل استقال بعد اندلاع خلاف علني حول ما إذا كان قد نقل إلى مندوب الحكومة مضمون التحذير الذي تلقاه من عنصر في CNI يوم 29 يوليوز. سانز يؤكد أنه أبلغ المسؤول، بينما ينفي مندوب الحكومة معرفته بالرسالة والمكالمة. وبذلك لم تعد القضية مجرد خلاف حول معلومة استخباراتية، بل تحولت إلى صراع داخل الإدارة الإسبانية حول مصير التحذيرات بعد وصولها إلى أيدي المسؤولين. وإذا كانت المعلومة قد وصلت فعلاً ثم لم تتحول إلى قرار، فالمشكلة ليست في نقص المعلومات، وإنما في آلية استقبالها وتقييمها وتمريرها.

لكن أكثر ما يستحق التوقف عنده هو الفرق بين الوثيقة التي تكشفها عملية التجسس والقراءات التي جاءت بعد وقوع الأزمة. فالمعلومة الخام التي التقطها REW-32، بحسب ما نُشر، كانت تتحدث عن أجهزة مغربية في حالة تأهب وعن احتمال محاولة عبور يتعين التصدي لها. أما التقييمات الإسبانية اللاحقة فبدأت تبحث في سلبية المغرب أو احتمال عدم قيامه بما يكفي لمنع التدفق. هذا الفرق جوهري الأولى تسجل ما كانت الأجهزة المغربية تفعله قبل الحدث، والثانية تحاول تفسير ما حدث بعد وقوعه. وبين الأمرين مسافة كبيرة تسمح بالسؤال عما إذا كانت بعض التقديرات اللاحقة قد تأثرت بالحاجة إلى تفسير إخفاق مؤسسات الدولة الإسبانية في الاستجابة للإنذارات التي كانت بين أيديها.

لهذا، فإن القضية الحقيقية التي تفرض نفسها اليوم ليست البحث عن كبش فداء مغربي، وإنما فتح ملف الاستخبارات الإسبانية نفسها لماذا جرى اعتراض اتصالات مغربية قبل الأزمة؟ ماذا كشفت تلك الاتصالات؟ متى وصلت المعلومة إلى كل مستوى من مستويات القيادة؟ لماذا لم تصل بعض المعطيات إلى المسؤولين في الوقت المناسب؟ ولماذا بقيت أجزاء من الوثيقة الأصلية خارج ملف الوثائق التي نشرتها الحكومة؟ فإذا كانت مدريد تريد فعلا إغلاق هذا الملف، فإن الطريق لا يمر عبر إعادة إنتاج اتهامات سياسية للمغرب، وإنما عبر نشر المسار الكامل للمعلومة. لأن أخطر ما تكشفه أحداث سبتة، حتى الآن، ليس أن إسبانيا لم تكن تعرف ما سيحدث، بل العكس تماما. كانت تراقب، وكانت تجمع، وكانت تحذر، وكانت تتجسس ثم فشلت في أن تفعل ما كان يفترض أن تفعله بكل تلك المعلومات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى