سبتة المحتلة بين إنذار أمني مغربي مُهمَل وتقدير أمني-سياسي إسباني مُضَلِّلْ

لم تعد قضية أحداث سبتة المحتلة مجرد نقاش حول كيفية إدارة موجة هجرة جماعية أو حول مدى جاهزية السلطات الإسبانية لمواجهة اضطراب حدودي متوقع. فالمعطيات الجديدة التي كشفت عنها صحيفة إل موندو تنقل القضية إلى مستوى أكثر حساسية: هل كانت لدى الدولة الإسبانية معلومات استخباراتية دقيقة ومبكرة عن احتمال وقوع الأحداث، ثم أخفقت مؤسساتها في تحويلها إلى قرار وقائي في الوقت المناسب؟
ففي 27 يوليوز المنصرم، اعترض الفوج 32 للحرب الإلكترونية التابع للجيش الإسباني اتصالات أمنية عناصر مغربية مكلفة بالمراقبة الحدودية وقياداتها. وكانت مضمون الاتصالات يشير إلى رفع حالة التأهب تحسبا لمحاولات دخول جماعي إلى سبتة برا أو بحرا، مع الإبقاء على العناصر في حالة استعداد تزامنا عيد العرش.
وهذه نقطة ذات دلالة إستراتيجية، لأنها تقلب إحدى الروايات التي برزت بعد الأحداث. فالاتصالات التي جرى اعتراضها لم تكشف، بحسب المعطيات المتوفرة، عن تعليمات مغربية بترك الحدود مفتوحة أو عن توجيهات بالتساهل مع محاولات العبور. الذي ظهر هو العكس: رفع درجة اليقظة، المرابطة في المواقع، تمديد حالة الاستعداد، والتحسب لسيناريوهات وشيكة.
بعبارة أخرى، المعلومة الاستخباراتية الإسبانية التي كان يفترض أن تستخدم لإثبات تقصير المغرب قد تحولت، عند قراءتها في سياقها الزمني، إلى دليل على أن المغرب كان يستعد لمنع السيناريو الذي وقع لاحقا. وهنا تظهر المفارقة الأكبر.
عندما تصبح الاستخبارات دليلا على عكس الرواية السياسية
في العمل الاستخباراتي، لا تكمن قيمة المعلومة في مجرد الحصول عليها، وإنما في سرعة تقييمها وإيصالها إلى الجهة القادرة على اتخاذ القرار في حينه. فالتحذير الذي يبقى محصورا داخل سلسلة بيروقراطية لا يؤدي الوظيفة الأمنية التي جُمع من أجلها.
وتشير المعطيات المتاحة إلى أن المادة التي حصل عليها الفوج 32 وصلت إلى دوائر الاستخبارات العسكرية، وأن مركز استخبارات القوات المسلحة الإسبانية قيّم بتاريخ 27 يوليوز احتمال وقوع دخول جماعي يوم 30 يوليوز بأنه مرتفع للغاية. وإذا كان هذا التسلسل الزمني دقيقا، فإن السؤال الأساسي يصبح: لماذا لم تتحول هذه المعلومة إلى إنذار عملياتي على مستوى القيادة السياسية والعسكرية الإسبانية قبل وقوع الأحداث؟
الفارق هنا ليس تفصيلا إداريا. ثلاثة أيام في أزمة حدودية يمكن أن تكون فترة كافية لإعادة توزيع القوات، وتعزيز السياج، وتشديد المراقبة البحرية، وتفعيل قنوات الاتصال مع الطرف المقابل، وإعداد سيناريوهات الاستجابة. وبالتالي فإن وصول التقييم إلى رئيس أركان الدفاع صباح 30 يوليوز يعني أن قيمة الإنذار انخفضت بشدة في اللحظة التي أصبح فيها الخطر واقعا.
وهذا يضع المؤسسة الإسبانية أمام مشكلة مزدوجة: امتلاك معلومة مهمة، ثم الفشل في استخدامها. والأخطر أن غياب الوثيقة الأصلية، أو عدم ظهورها بوضوح ضمن المواد التي رفعت الحكومة الإسبانية عنها السرية، يضيف سؤالا مؤسساتيا لا يمكن تجاهله. فإذا كان الهدف من رفع السرية هو تمكين الرأي العام الوطني والدولي من معرفة ما كانت الدولة تعرفه ومتى عرفته، فإن أي نقص في الوثائق المتعلقة بالنقطة الزمنية الحاسمة يترك فجوة لا يمكن ملؤها بالتخمينات السياسية.
المغرب: من الاحتواء الميداني إلى إدارة الخطر السياسي
الجانب الآخر من الصورة لا يقل أهمية. المعطيات الواردة تشير إلى أن الرباط لم تبدأ التعامل مع خطر سبتة في يوم الأحداث. كانت هناك، قبل ذلك، مؤشرات ميدانية على تشديد المراقبة في منطقة الفنيدق، واعتراض محاولات للهجرة، وتعزيز الانتشار الأمني، فضلا عن معلومات تحدثت عن دعوات متداولة عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
وهذا مهم لأن الأحداث الحدودية الكبرى لا تنشأ عادة من فراغ. قبل تحول الدعوات الرقمية إلى تحرك جماعي، تظهر مؤشرات يمكن للأجهزة الأمنية رصدها: ارتفاع عدد المحاولات، تحركات غير اعتيادية، تجمعات، انتقال أشخاص إلى المنطقة، ونشاط مكثف عبر شبكات التواصل.
وتكتسب الأرقام الإسبانية المذكورة في المادة أهمية خاصة في هذا السياق. فإذا كانت القوات المغربية قد اعترضت 1,429 محاولة بين 20 و26 يوليوز، ثم تعاملت مع مئات محاولات السباحة في الفترة المحيطة بالأحداث، فإن ذلك يعكس وجود جهد أمني مغربي مستمر لاحتواء الضغط على الحدود، وليس ظهورا مفاجئا للقوات بعد اندلاع الأزمة.
ومن ثم فإن الاختزال السياسي للأحداث في فرضية “التساهل المغربي” يحتاج إلى أدلة أقوى من مجرد وقوع أعداد كبيرة من الأشخاص عند الحدود. فالنتيجة الميدانية الكبيرة لا تثبت وحدها وجود قرار سياسي سمح بها.
بين الإنذار الإسباني والاستعداد المغربي
يعيد هذا المعطى أيضا ترتيب أهمية الإنذار الذي وجهه المركز الوطني للاستخبارات الإسباني إلى الأجهزة المغربية مساء 29 يوليوز، أي قبل ساعات من الأحداث. فالمفارقة أن مدريد كانت قد وجهت تحذيرا متأخرا، في وقت كانت مؤسساتها العسكرية قد امتلكت قبل ذلك بأيام معلومات عن استعداد مغربي لمواجهة الخطر، بينما كان المغرب قد بدأ بالفعل إجراءات ميدانية لمنع محاولات العبور.
وبذلك يصبح السؤال أقل ارتباطا بغياب المعلومات، وأكثر ارتباطا بكيفية جمعها وتقييمها وتصريفها داخل دواليب الدولة الإسبانية.
من المعلومة إلى التفسير السياسي
الأكثر إثارة أن مركز استخبارات القوات المسلحة، الذي كانت لديه بتاريخ 27 يوليوز معلومات عن الاستنفار المغربي، عاد بعد وقوع الأحداث إلى توصيف الأداء المغربي بالسلبية والإهمال، مع طرح فرضيات سياسية مرتبطة بالسياق الإقليمي، من بينها زيارة رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى الجزائر.
لكن وجود فرضية سياسية لا يعوض الدليل الميداني. فإذا كانت الاتصالات المعترضة توثق تعليمات مغربية بالاستنفار والمنع، فإن تفسير هذه الوقائع باعتبارها دليلا على التساهل يحتاج إلى معطيات إضافية واضحة.
وهنا تكمن إحدى عثرات الجانب الإسباني في الملف: الفارق بين المعلومة الاستخباراتية “الخام” والتفسير السياسي الذي يُبنى عليها لاحقا.
السؤال الحقيقي: من تأخر في قراءة الخطر؟
أحداث سبتة السليبة تفرض، على ضوء هذه المعطيات، إعادة صياغة السؤال الأساسي. فبدلا من الاقتصار على البحث عما إذا كان المغرب قد فعل ما يكفي لمنع الأزمة، ينبغي التدقيق في كيفية تعامل المؤسسات الإسبانية مع المعلومات التي كانت بحوزتها.
من تلقى إنذار يوم الاثنين 27 يوليوز؟ لماذا تأخر وصوله إلى القيادة العليا؟ وهل كان التأخير مجرد خلل في سلسلة القيادة أم أن هناك “مقاصد” أخرى؟ ولماذا لا تظهر المادة الأصلية بوضوح ضمن الوثائق التي رفعت عنها الحكومة الإسبانية السرية؟
لا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة بالاستنتاج وحده وفي ظل تعنت الطرف الإسباني. هي تحتاج إلى تحقيق ووثائق كاملة. لكن الثابت أن الكشف الجديد يضع الرواية الإسبانية أمام اختبار صعب: المشكلة ربما لم تكن أن مدريد لم تعرف ما سيحدث، بل أنها لم تحسن استخدام ما عرفته في الوقت المناسب، أو الأَمَرْ من كل هذا وذاك أن تكون “غير راغبة” في توظيف المعلومات المتحصل عليها.
وهذه، في الحسابات الأمنية والجيوسياسية، ليست مسألة إجرائية هامشية، بل قد تكون جوهر أزمة سبتة نفسها.



