فضيحة حقوقية.. عزيز غالي يحتقر “المرأة” دفاعا عن خامنئي

هناك لحظات صغيرة على مواقع التواصل تكشف ما تخفيه خطابات كاملة. منشور واحد، صورة واحدة، كفيلة بأن تسقط قناع سنوات من الشعارات اللامعة. هذا تقريبا ما فعله عزيز غالي حين نشر صورة مركبة للشيخ محمد الفيزازي في هيئة امرأة، وعلق عليها بعبارة: “لا تلتفتوا إليه”. قد يبدو الأمر للبعض مجرد سخرية عابرة، لكنه في الحقيقة يكشف شيئا أعمق بكثير من “ميم” عابر في فيسبوك.
فحين يعجز الخطاب عن مواجهة الفكرة بالفكرة، يبدأ في البحث عن أقصر الطرق السخرية من الشكل والهيئة. غير أن المفارقة هنا أن صاحب المنشور ليس حسابا مجهولا يعيش على هامش النقاش العمومي، بل شخص يقدم نفسه باعتباره حقوقيا ومدافعا عن الكرامة الإنسانية. ومع ذلك، لم يجد في رده سوى التشهير والسخرية، وكأن الكرامة التي يتحدث عنها في الندوات تختفي فجأة عندما يصبح الخصم خارج خندقه الإيديولوجي
لكن ما يثير الانتباه أكثر هو المعنى الضمني للصورة نفسها. فالسخرية لم تقم فقط على تشويه صورة الخصم، بل على تحويله إلى امرأة، ثم الدعوة إلى عدم الالتفات إليه. وكأن الرسالة غير المعلنة تقول إن المرأة، في حد ذاتها، سبب كاف للاستخفاف وعدم أخذ الرأي بجدية. هكذا، وبضربة فوتوشوب واحدة، يتحول خطاب يدعي الدفاع عن المساواة إلى نظرة دونية تحول المرأة إلى مجرد أداة للسخرية.
المفارقة تصبح أكثر عبثية حين نتذكر أن هذا الخطاب يصدر عن شخص يصنف نفسه ضمن التيار التقدمي. نفس التيار الذي يرفع راية الدفاع عن النساء، ويتحدث باستمرار عن المساواة والكرامة. لكن في لحظة السخرية، تتحول المرأة فجأة إلى “إهانة جاهزة” يلقى بها على الخصوم، في تناقض يكشف أن بعض الشعارات لا تعيش طويلا خارج المنصات الخطابية. وليس بعيدا عن هذا السياق ما أثاره موقفه خلال قضية توفيق بوعشرين، حين بدا أن الحماس للدفاع عنه كان أقوى من الاهتمام بصوت النساء اللواتي قدمن شكاوى ضده. كما طرحت تساؤلات مشابهة في سياق قضية عمر الراضي، بعد حديث إحدى المشتكيات عن استقبال ساخر حين لجأت إلى جمعيته طلبا للدعم لتتفاجأ بسخريته منها سائلا إياها عن لون تُبّان عمر الراضي.

و التناقض لا يتوقف هنا. فالرجل الذي يهاجم التيارات الدينية بلا هوادة، ويقدم نفسه كصوت علماني تقدمي، يجد نفسه في كثير من الأحيان أقرب إلى السردية السياسية الإيرانية في المنطقة. وهنا يصبح المشهد أكثر سريالية يساري يهاجم الدين عندما يتعلق الأمر بخصومه المحليين، لكنه لا يرى مشكلة في التماهي مع مشروع تقوده دولة دينية ثيوقراطية عندما يخدم ذلك حسابات أيديولوجية معينة
في النهاية، ما نشره عزيز غالي ليس مجرد منشور ساخر، إنه لحظة كاشفة. لحظة يظهر فيها الفرق بين الدفاع الحقيقي عن القيم وبين استعمالها كديكور لغوي جميل، فالحقوقي الذي يطالب باحترام الكرامة لا يحتاج إلى الإهانة، والتقدمي الذي يؤمن بالمساواة لا يجعل من المرأة أداة للسخرية، ومن يدعي مواجهة التطرف لا يمكنه أن يغمض عينه عنه حين يأتي من الجهة التي توافق مزاجه السياسي. أما ما عدا ذلك، فليس دفاعا عن القيم بل مجرد خطاب يتهاوى عند أول اختبار للتناقض.



