كاريكاتير | هشام جيراندو و خرافة شكايات المغاربة

ليس أخطر على الحقيقة من خطاب يتكاثر بلا معنى. فالمشكلة لا تبدأ حين يقال الكثير، بل حين يصبح القول غاية في ذاته، منفصلا عن أي التزام بالصدق أو قابلية للتحقق. عندها، لا يعود الكلام وسيلة لفهم الواقع، بل يتحول إلى آلة لإعادة إنتاج نفسه، يستمد قوته من التكرار لا من المضمون، ومن الانتشار لا من المصداقية.

في هذا السياق، تبدو بعض المبادرات في ظاهرها بريئة، مثل ما يروج له حول فتح نوافذ لتلقي الشكايات، كما هو الحال في الخطاب الذي يقدمه جيراندو، حيث يتم تقديم هذه الخطوة باعتبارها استجابة لنبض المجتمع وصوتا لمن لا صوت لهم. غير أن هذا الادعاء، عند إخضاعه لأبسط معايير الفحص، يثير أكثر مما يجيب، لأن السؤال لا يتعلق بوجود الشكايات في حد ذاته، بل بطبيعتها ومسارها ومصداقيتها. من يشتكي، عبر أي قنوات، وتحت أي ضمانات، وبأي إمكانية للتحقق أو المتابعة. حين تغيب هذه العناصر، تتحول الشكاية من فعل مدني مسؤول إلى مادة سردية سائبة، قابلة لإعادة الصياغة والتوظيف، حيث يصبح من الممكن انتاج وقائع مكتملة ظاهريا، لكنها تفتقر إلى أي أساس يمكن الاستناد إليه خارج لحظة عرضها.

لكن ما يبدو حضورا كثيفا، ليس بالضرورة دليلا على التأثير الحقيقي. وما يعرض كتفاعل واسع، قد لا يتجاوز كونه صدى داخل دائرة مغلقة. رسائل مجهولة المصدر تقدم كمؤشرات على رأي عام، وشكايات بلا مسار ترفع إلى مرتبة الوقائع. وبدل توسيع النقاش، يجري اختزال الواقع في ما يسهل عرضه وتداوله، ولو كان مبتورا أو مشوها.

الأخطر من ذلك أن هذا التحول لا يمس مضمون الخطاب فحسب، بل يطال قواعد التعامل مع الحقيقة ذاتها. حين يصبح إنتاج الادعاء أسهل بكثير من مساءلته، تتآكل قيمة الصدق، ويتحول النقاش من البحث عن الحقيقة إلى سباق على الانتشار. لم يعد الأمر يتعلق بما هو صحيح أو زائف، بل بما هو أكثر قابلية للتداول.

ومع ذلك، فإن هذا النوع من الخطاب يحمل في داخله بذور تهاويه. فهو مضطر دائما إلى رفع سقف الادعاء للحفاظ على نفس مستوى التأثير، ما يوسع تدريجيا الفجوة بين ما يقال وما يمكن إثباته. وعند نقطة معينة، يكفي سؤال بسيط، أو تحقق أولي، لإعادة الأمور إلى حجمها الحقيقي.

في النهاية، لا تحتاج الحقيقة إلى ضجيج كي تثبت نفسها، بل إلى حد أدنى من الوضوح وغياب التشويش. وحين يخفت هذا الضجيج، ولو مؤقتا، يتكشف أن ما بدا خطابا كثيفا لم يكن سوى تراكم لنصوص بلا مرجعية. عندها، لا يبقى سوى ما يمكن التحقق منه فعلا، ويسقط ما عداه كأثر عابر في ذاكرة مزدحمة بالكلام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى