لماذا أزعج نجاح الدورة السابعة لأيام الأبواب المفتوحة للأمن الوطني بالرباط “أصوات البؤس” ؟

أجمعت أغلب التعليقات المواكبة لاختتام الدورة السابعة لأيام الأبواب المفتوحة للأمن الوطني بالرباط على الإشادة بحجم التنظيم، وبالإقبال الشعبي الواسع، وبالرقم القياسي الذي تجاوز 3 ملايين و50 ألف زائر وزائرة. غير أن المدعو علي أنوزلا اختار أن يفصح عن انزعاج مشبوه بتدوينة قائمة على التشكيك والسخرية، في موقف لم يبد فيه كصوت منفرد يناقش رقما، بل كناطق باسم المزاج نفسه الذي ظل، لسنوات، يراهن على ترسيخ صورة سوداء عن المؤسسة الأمنية وعن علاقتها بالمواطنين.

هذا الخروج لا يمكن فصله عن خلفية أوسع. فهناك أطراف لم تستسغ أن تتحول تظاهرة تنظمها المديرية العامة للأمن الوطني إلى موعد شعبي واسع، وأن تصبح صور الأسر والأطفال والشباب داخل فضاءات الأمن الوطني مادة اعتزاز وانتشار على مواقع التواصل. هذه الأطراف كانت تراهن على سردية القطيعة، وعلى إبقاء المؤسسة الأمنية في المخيال العام داخل دائرة الخوف والريبة والعداء. لكن ما جرى في الرباط، على امتداد سبعة أيام، قدّم صورة مغايرة تماما. الواقع، مرة أخرى، كان سيد الموقف ضد المواقع.

تدوينة أنوزلا حاولت أن تمنح التشكيك مظهرا حسابيا، عبر مقارنة رقم الزوار بعدد سكان الرباط وسلا والقنيطرة وبعض المدن المجاورة، ثم بأرقام معرض الكتاب ومعرض الفلاحة ومباريات المنتخب الوطني. غير أن هذه المقارنات لا تصمد أمام طبيعة الحدث نفسه. أيام الأبواب المفتوحة ليست مباراة في ملعب بسعة محددة، ولا معرضا متخصصا موجها إلى فئة بعينها، بل تظاهرة مفتوحة امتدت من 18 إلى 24 ماي، وجرى تمديدها يومين إضافيين بسبب الإقبال الكثيف، واحتضنها فضاء واسع على مساحة تفوق 13 هكتارا، في شكل مدينة أمنية متعددة الأقطاب.

البلاغ الرسمي للمديرية العامة للأمن الوطني قدّم معطيات كافية لفهم حجم الإقبال. التظاهرة استقبلت تلاميذ وتلميذات من 2000 مؤسسة تعليمية عمومية وخاصة، وعرفت مشاركة 1472 جمعية من المجتمع المدني، وحضور ممثلي 217 وسيلة إعلامية، إضافة إلى تغطية رقمية حققت أكثر من 27 مليون مشاهدة، وإنجاز 1723 نشاطا إعلاميا لفائدة مختلف المنابر الصحفية. كما استقطبت زوارا من الرباط وسلا وتمارة والقنيطرة والدار البيضاء ومختلف مناطق المغرب، بما فيها المناطق الجنوبية للمملكة.

الخطأ في منطق أنوزلا أنه تعامل مع الرقم كما لو كان يحيل بالضرورة على عدد أشخاص فريدين دخلوا الفضاء مرة واحدة فقط. في تظاهرات مفتوحة بهذا الحجم، يتم احتساب حجم التوافد المسجل عبر أيام الحدث، وهذا أمر عادي في المعارض والفعاليات الكبرى. هناك أسر زارت الفضاء أكثر من مرة، وتلاميذ حضروا في أفواج منظمة، ومواطنون قدموا من مدن مختلفة، وزوار تنقلوا بين أروقة وعروض متعددة على امتداد اليوم. لذلك تصبح المقارنة بعدد سكان الرباط أو بمحور حضري معين قراءة مبتورة، لأنها تسقط من الحساب الزمن، وحركية الدخول والخروج، وتعدد مصادر الزوار، واتساع الفضاء، وطبيعة التظاهرة المفتوحة.

لكن جوهر المسألة أبعد من الحساب. الرقم أزعج لأنه يحمل دلالة مباشرة على فشل سردية كاملة. فالأصوات التي اشتغلت طويلا على شيطنة المؤسسة الأمنية وجعل كل علاقة طبيعية بين المواطن والشرطة مادة للقدح والسخرية وجدت نفسها أمام مشهد يصعب إنكاره. أسر تدخل الفضاءات بثقة، أطفال يلتقطون الصور مع عناصر الأمن، شباب يوثقون زياراتهم، مواطنون ينشرون لحظاتهم داخل الأروقة دون خوف أو حساسية. هذا المشهد يضرب في العمق كل خطاب أراد أن يجعل المؤسسة الأمنية في موقع العدو للمجتمع.

لقد فشلت السرديات السوداوية لأنها اصطدمت بواقع تراكمي. المؤسسة الأمنية لم تبن هذه الثقة في يوم واحد، ولا عبر بلاغات دعائية، بل من خلال مسار واضح من التحديث والانفتاح والإصلاح. رقمنة الخدمات، تطوير البنيات، تعزيز التواصل المؤسساتي، تقريب المرفق الأمني من المواطن، إبراز مهن الشرطة العلمية والتقنية ووحدات التدخل والوثائق التعريفية والتوعية والتحسيس، ثم فتح فضاءات مباشرة أمام الأطفال والتلاميذ والجمعيات والإعلام، كلها عناصر صنعت تحولا في نظرة فئات واسعة من المغاربة إلى الأمن الوطني.

هذا التحول هو ما يغضب خصوم المؤسسة الأمنية. فقد كانوا يراهنون على صورة قديمة، وعلى قاموس جاهز، وعلى جعل أي تواصل بين المواطن والشرطة شبهة أو سبة. غير أن المواطن، في السنوات الأخيرة، بدأ يرى المؤسسة بعينيه ومن خلال إنجازاتها الملموسة لا عبر “أصوات البؤس”.

المفارقة أن أنوزلا، وهو يشكك في الرقم، يعترف ضمنا بقوته. فالرقم لم يكن ليثير كل هذا الانزعاج لو لم يكن حاملا لرسالة أوسع. رسالة تقول إن محاولات عزل الأمن الوطني عن مجتمعه لم تنجح، وإن خطاب التشويه لم يعد قادرا على مصادرة العلاقة الجديدة التي تتشكل بين المواطن ومؤسسته الأمنية. قد تستطيع بعض التدوينات خلق ضجيج عابر، لكنها لا تستطيع إلغاء مشهد امتد على سبعة أيام، ولا صور الحشود، ولا حضور الأسر، ولا ذلك الود العفوي الذي ظهر خصوصا عند الأطفال.

رقم 3 ملايين و50 ألف زائر وزائرة ليس مجرد حصيلة تنظيمية، بل مؤشر على تحوّل اجتماعي وتواصلي واضح. إنه رقم يشرح، بطريقته، لماذا فشلت سرديات المواقع أمام واقع الميدان. فالمواطن الذي يدخل فضاء الأمن الوطني، ويتفاعل مع أروقته، وينشر زيارته باعتزاز، ينسف عمليا كل محاولة لجعل المؤسسة الأمنية خصما له. وهذا بالضبط ما لم يستطع بعضهم تقبله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى