إسبانيا تدفع ثمن “العجرفة” والمظاهرات تغزو شوارع مدريد و برشلونة

يبدو أن رياح الاحتجاجات الطلابية التي عصفت بفرنسا أبت إلا أن تهبّ جنوبا صوب إسبانيا التي وجدت نفسها بين عشية و ضحاها تتلظى بسعير المظاهرات الشبابية العارمة التي اجتاحت شوارع برشلونة و مدريد و بيلباو مع احتمالية توسع رقعتها في الأيام القليلة المقبلة لتشمل مزيدا من الحواضر.

و أظهرت فيديوهات منتشرة على منصات التواصل الاجتماعي المتظاهرين الذين ارتدى عدد منهم اللون الأسود بالكامل، وهم يتعرضون للتعنيف من طرف قوات الأمن في الشارع العام، في حين أبانت مقاطع أخرى حجم التخريب و النهب و الإضرار بالممتلكات العامة التي خلفها عدد من القاصرين.

هذا الغليان الذي نزل كالصاعقة على أرض الأندلس ليس وليد اللحظة، بل هو نتاج مشكلات هيكلية واقتصادية غائرة تمزق الداخل الإسباني وتضيق على مواطنيه، إذ تعاني البلاد من أزمة سكن خانقة إضافة إلى الارتفاع المهول في معدلات البطالة التي تجاوزت نسبتها في الربع الثالث من 2026 أكثر من 10% أي بمجموع  2.5 مليون عاطل، ناهيك عن المديونية العالية التي تطوّق الاقتصاد، فضلاً عن تدني القدرة الشرائية وكذا تزايد معدلات التضخم الذي يواصل الصعود نحو %3.3 دون إغفال السوء الذي تعاني منه إدارة الخدمات العامة سواء عبر نقص الأطر الطبية أو اكتظاظ الفصول الدراسية.

و إلى جانب الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي يكتوي بها المواطن الإسباني، فإن هذا الحراك الشعبي ساهمت فيه كذلك التجاذبات الحادة و المتزايدة بين الأحزاب السياسية في عدد من الملفات الثانوية كالهجرة غير النظامية و العلاقات مع المغرب و التحالفات البرلمانية، إذ بدلاً من إيجاد حلول ملموسة للمشاكل الداخلية للرعايا، انشغل الفاعلون السياسيون بالتراشقات والتخندقات الإيديولوجية مع الدخول في لعبة شد الحبل بين أحزاب اليمين واليسار لا سيما مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 29 نونبر 2026.

وفي الوقت الذي كانت كل المؤشرات تقول أن الجارة الشمالية ستكون على موعد مع انتفاضات ومسيرات غاضبة ضد سياسات الدولة (حكومة و ملكا)، اتخذ العاهل الإسباني فيليبي السادس يوم 13 أكتوبر خطوة غير محسوبة بعدما تم دفعه لزيارة ثغري سبتة و مليلية المحتلتين رفقة زوجته الملكة ليتيزيا تحت غطاء دعم المدينتين إبان أزمة الهجرة غير الشرعية قبل أن يتضح الهدف من هذا الإجراء هو تصدير الاضطرابات الداخلية للبلاد و ربح المزيد من الوقت ضد موجة “الخريف الأوروبي” القادمة من فرنسا ولو استدعى الأمر إعادة إحياء “الفرنكوية” أو ” FRANQUISMO” بلغة الإسبان.

من جهة أخرى، يستحيل مقاربة ما يجري في إسبانيا دون الحديث عن “الغطرسة” و النظرة الاستعلائية التي تعاملت بها وسائل إعلامها (إل موندو/ لاراثون) و نخبتها السياسية (الحزب الشعبي/ فوكس) مع أحداث سبتة شهر يوليوز الماضي، حيث أطلقت مدريد حملة شنعاء فيها من الإساءة لجارتها الجنوبية الشيء الكثير وذلك عبر تقزيم المؤسسات الأمنية المغربية و تحميلهم مسؤولية اقتحام الثغر المحتل مع اتهامهم بالتقصير في أداء مهامهم، بيد أن الأقدار كان لها رأي آخر حين صرح رئيس الحكومة الإسباني بيدرو سانشيز بأنه لا توجد أي أدلة عن تورط السلطات المغربية أو تدبيرها لعملية العبور الجماعي.

لقد غاب عن إسبانيا وهي تعيش على وقع هذا الارتباك النظامي، أن المؤسسات الأمنية المغربية التي لا تكف عن انتقادها في صحافتها، اجتازت تجربة مشابهة (مظاهرات جيل زد) بنجاح، حينما أبانت عن حكمة بالغة وعمق مؤسساتي في استيعاب المطالب وإدارتها بالحوار والرزانة دون الانزلاق إلى العنف المفرط و هو ما جعلها محط إشادة دولية واسعة من طرف خبراء و باحثين و مضرب مثل لدى عدد من الدول أبرزها فرنسا التي تعيش نفس الوضع حاليا.

وعليه، لا يمكننا اليوم فصل الغليان الاجتماعي والاحتجاجات الحالية في إسبانيا عن السياق الأوسع و هو هشاشة السياسة الخارجية في مدريد وعجزها عن قراءة التحولات الكبرى التي يمر بها حوض المتوسط، إذ أن المغرب لم يعد ذلك الطرف الذي يقبل بالوصاية أو التجاهل، بل أصبح قوة إقليمية صاعدة تتمتع برؤية جيواستراتيجية واضحة تقودها دبلوماسية هادئة وفعالة، و على إسبانيا إن هي أرادت تغليب صوت الحكمة، استئناف مسار التعاون الوثيق مع الرباط، خصوصاً في أفق التنظيم المشترك لكأس العالم 2030، والذي يمثل فرصة ذهبية لإعادة بناء الجسور وترسيخ شراكة اقتصادية وبشرية و أمنية مستدامة تتجاوز ترسبات و تراكمات الماضي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى