خبير استخباراتي فرنسي يفضح حروب الظل الجزائرية: مؤامرات الاستخبارات تُناور ضد المغرب

تعيد تصريحات فانسون كروزيت، الخبير الفرنسي المتخصص في شؤون الاستخبارات على قناة LCI الإخبارية الفرنسية مساء أمس السبت، بشأن استغلال المخابرات الجزائرية لحراك «جيل Z» بالمغرب تسليط الضوء على الوجه الأكثر قتامة في الصراع الإقليمي: حين تتحول الأجهزة الاستخباراتية إلى أدوات لتصدير العداء ومحاولة اختراق الجبهة الداخلية لدولة مجاورة.

فإذا كانت الاتهامات التي طرحها كروزيت تعكس طبيعة التحركات التي تحدث عنها، فإننا أمام نموذج من حروب الظل التي تراهن على زعزعة الاستقرار من الداخل، واستثمار اللحظات الحساسة لخدمة حسابات جيوسياسية لم تعد تجد في المواجهة السياسية التقليدية ما يكفي لتحقيق أهدافها.

إن خطورة هذا السلوك، لا تكمن فقط في استهداف المغرب، بل في المنطق الذي يحكمه: عجز عن تغيير موازين الصراع بالوسائل المشروعة، يقابله رهان على المناورات الخفية واستغلال الأزمات. وهي مقاربة تكشف، قبل أي شيء آخر، حدود القوة التي تتوهم أن بإمكانها إرباك دولة عبر العبث بتفاعلاتها الداخلية.

لكن الرهان على هشاشة المغرب يصطدم بواقع مختلف تماما. فالمملكة ليست دولة يسهل إخضاعها للابتزاز الجيوسياسي، ولا كيانًا تتهاوى توازناته أمام حملات التأثير أو المناورات الاستخباراتية. لقد راكم المغرب من الخبرة المؤسساتية واليقظة الأمنية ما يجعله أكثر قدرة على رصد التهديدات والتعامل معها، مستندا إلى دولة ذات امتداد تاريخي ومؤسسات قادرة على حماية المصالح العليا للبلاد.

إن صلابة المغرب لا تعني غياب محاولات استهدافه، بل تعني أن هذه المحاولات لا تملك بالضرورة القدرة على تحقيق غاياتها. فبين التخطيط السري والنتيجة الفعلية مسافة تصنعها كفاءة المؤسسات، وتماسك الدولة، والقدرة على تحويل التحديات إلى عناصر إضافية لتعزيز المناعة الوطنية.

أما الجزائر، فإن أي تورط لأجهزتها في استغلال الاحتجاجات المغربية، إذا ثبت، لن يكون مجرد تفصيل في سجل الخلافات الثنائية، بل سلوكا يستوجب الإدانة السياسية والأخلاقية، لأنه ينقل الخصومة من مجال التنافس بين الدول إلى محاولة توظيف التفاعلات الداخلية لدولة أخرى في خدمة أجندة معادية. ولا يمكن لأي تبرير جيوسياسي أن يمنح مثل هذه الممارسات شرعية، أو أن يجعل التدخل في الشؤون الداخلية للغير أداة مقبولة في إدارة النزاعات.

إن المغرب الذي واجه تحديات إقليمية متعاقبة يدرك أن حماية السيادة لا تتحقق بالشعارات، بل باليقظة والردع والقدرة على إفشال المناورات قبل أن تبلغ أهدافها. كما يدرك أن الاستفزازات، مهما تعددت أدواتها، لا تغير من ثوابت الدولة ولا تنتقص من استقلال قرارها.

في النهاية، تكشف تصريحات فانسون كروزيت، بما تثيره من أسئلة حول طبيعة التحركات الاستخباراتية في المنطقة، أن المواجهة مع المغرب لا تُقرأ فقط من خلال ما يقال في العلن، بل أيضًا من خلال ما يُتهم الخصوم بمحاولة تدبيره في الخفاء.

غير أن الرسالة الأوضح هي أن المغرب ليس ساحة مستباحة لحروب الظل، وأن سيادته ليست ورقة قابلة للمساومة، وأن الدولة التي تستند إلى مؤسسات راسخة ويقظة استراتيجية لا يمكن اختزالها في حسابات خصومها.

فقد تراهن المناورات على إرباك المغرب، لكن الرهان شيء والقدرة على فرض نتائجه شيء آخر. وبينهما تقف دولة تعرف مصالحها، وتحمي قرارها السيادي، وتواجه الاستهداف بثبات لا تمنحه الخصومات العابرة ولا تنتزعه الحملات المعادية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى