أسرار وكواليس حملة “فوربيدن ستوريز” ضد المغرب.. الحلقة الأولى: هندسة السردية وحرب التأثير | تحقيقات القاسمي

لم يكن إطلاق الحزمة الجديدة من مقالات «بيغاسوس» من طرف «فوربيدن ستوريز» يوم 16 يوليوز 2026 مجرد عودة قصصية (وليست صحفية) إلى ملف قديم ومحروق. فقد اختير للنشر اليوم الذي كانت فيه الرباط تحتضن اجتماعا حكوميا فرنسيا مغربيا رفيع المستوى، في مرحلة تستعيد خلالها العلاقات بين البلدين عمقها السياسي والأمني والاقتصادي فترة من التوتر. وفي إسبانيا، جاء النشر بعد أسابيع من تجدد اللقاءات والتنسيق بين المؤسسات الأمنية في البلدين. هكذا وُضع ملف لم تثبت فيه أي إدانة قضائية ولا تقنية ضد المغرب في مواجهة مباشرة مع مسار دبلوماسي وأمني متقدم، وتحول توقيت النشر نفسه إلى جزء من الأجندة التي أريد فرضها.

الأمر لا يتعلق بمجرد صدفة بين حملة إعلامية وزيارة رسمية. فالمواد المنشورة وضعت التقارب الفرنسي المغربي داخل سرديتها، ثم انتقل Laurent Richard، مؤسس «فوربيدن ستوريز»، في اليوم التالي إلى مساءلة باريس عما إذا كانت قد ناقشت «بيغاسوس» مع الرباط، وما إذا كانت حصلت على ضمانات بعدم تعرضها للتجسس مجددا. لم يعد المطلوب، إذن، إقناع الجمهور بوقوع اختراقات تقنية فقط، بل دفع الحكومة الفرنسية إلى التعامل مع الاتهام الصحفي باعتباره ملفا سياديا ينبغي أن يقيّد علاقتها بالمغرب.

هذه النقطة هي مفتاح فهم الحملة الجديدة. فالوثائق والآثار التقنية المزعومة والمصادر المجهولة لا تتحرك داخل فراغ مهني محايد، بل جرى ترتيبها داخل بناء يراد منه إعادة تعريف المغرب أمام شريكيه الفرنسي والإسباني. المغرب، وفق هذا البناء، ليس شريكا أمنيا يمكن الوثوق به، بل جهاز مراقبة عابر للحدود. والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني ليست مؤسسة تتعاون معها باريس ومدريد، بل مصدر تهديد لهما. أما عبد اللطيف حموشي، فيوضع مجددا في مركز قصة تتكرر منذ سنوات، مهما تغيرت الاتهامات والعناوين، والهدف دائما واحد: الرغبة في الإطاحة به بأي ثمن.

هذه السلسلة ستفحص في حلقاتها المقبلة جميع أجزاء هذا البناء، من المصدر المسمى «سفير» واسم «مورغان» والوسيط الإماراتي المزعوم، إلى الآثار التقنية والهواتف والقوائم والقرارات القضائية وشبكة الصحفيين والمنابر المشاركة. لكن البداية تفرض أولا تحديد طبيعة ما حدث. هل نحن أمام تحقيق صحفي ؟ أم بروباغندا؟ أم سردية استراتيجية؟ أم عملية تأثير تستعمل الغطاء الاستقصائي؟ لا يكفي اختيار مفهوم واحد، لأن الحملة تجمع مستويات عدة تعمل معا.

نظرية التأطير : النتيجة أولا.. والدليل لاحقا

يفيد مفهوم «التأطير» في فهم المرحلة الأولى من العملية. فقد شرح الباحث الأميركي Robert M. Entman، في دراسته الشهيرة Framing: Toward Clarification of a Fractured Paradigm المنشورة سنة 1993 في Journal of Communication، أن «التأطير» لا يقوم بالضرورة على اختلاق الوقائع، بل على اختيار جوانب محددة منها، ومنحها بروزا أكبر، وربطها بتفسير سببي وحكم أخلاقي ونتيجة سياسية.

هذا ما يظهر منذ العناوين الأولى للحملة. سوق عالمي لبرمجيات التجسس، وعشرات الدول والعملاء، واستخدامات مثبتة داخل أوروبا، لكن العدسة تضيق حتى يصبح المغرب مركز القصة الوحيد. وجود رقم في قاعدة بيانات يتحول إلى استهداف، والاستهداف إلى محاولة اختراق، ثم إلى إصابة، ثم إلى عملية أمرت بها مؤسسة مغربية. أما الفوارق بين هذه المراحل، فتظهر لاحقا داخل التفاصيل بصيغ احترازية لا تحظى بالقوة نفسها التي تحظى بها العناوين.

«التأطير» هنا لا يجيب فقط عن سؤال «ماذا حدث؟»، بل يحدد مسبقا «من فعل ذلك؟» و«ما دلالته؟». فعندما تعرض صور واجهة «بيغاسوس» المأخوذة من سياقات أجنبية إلى جانب أسماء مسؤولين مغاربة، أو تُربط وثيقة أميركية تذكر عميلا باسم «مورغان» بالمغرب استنادا إلى تشابه حرف أول، فإن الجمع البصري والتحريري يسبق الحلقة الوثائقية التي يفترض أن تثبت الإسناد.

سردية استراتيجية تعيد تعريف المغرب

يتجاوز الأمر «التأطير» الإعلامي إلى ما تسميه أدبيات العلاقات الدولية «السردية الاستراتيجية». وقد بلور هذا المفهوم الباحث البريطاني Alister Miskimmon، والباحث البريطاني Ben O’Loughlin، والباحثة الأميركية Laura Roselle في كتابهم Strategic Narratives: Communication Power and the New World Order  الصادر سنة 2013، ثم طوروه في كتاب Forging the World سنة 2017 وفي دراسات لاحقة. وتقوم الفكرة على أن الفاعل لا يكتفي بنشر المعلومات، بل يبني قصة متماسكة تحدد هوية الأطراف وموقعها داخل النظام السياسي، ثم تجعل الجمهور وصانع القرار يفسران الأحداث انطلاقا منها.

في حملة «بيغاسوس»، تتشكل هذه السردية على ثلاثة مستويات. على مستوى الهوية، يقدم المغرب باعتباره دولة مراقبة لا تحترم حدود الشراكة. وعلى مستوى القضية، تُعرض الآثار التقنية كما لو كانت سلسلة إثبات مكتملة تربط البرنامج بالمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني. وعلى مستوى النظام الإقليمي، تُصوَّر فرنسا وإسبانيا كدولتين تتعاونان مع جهة سبق أن استهدفتهما، بما يجعل استمرار العلاقات معها موضع شك أخلاقي وسياسي.

لهذا لا تكتفي الحملة بمناقشة هاتف أو برنامج، بل تحاكم العلاقات الفرنسية المغربية والإسبانية المغربية نفسها. التقارب يصبح تنازلا، والتعاون الأمني يصبح سذاجة أو خضوعا، واستمرار الثقة يصبح دليلا على أن باريس ومدريد لم تتعلما من «الخيانة». وبهذه الطريقة، تتحول رواية تقنية لم يحسم القضاء جهة تشغيلها إلى أداة لإعادة تعريف المصالح والتحالفات.

«البروباغندا» لا تحتاج إلى اختلاق كل التفاصيل

في كتاب Propaganda & Persuasion، عرّف الأكاديمي المولود في جنوب إفريقيا Garth S. Jowett، والأكاديمية الأميركية Victoria O’Donnell، «البروباغندا» بأنها محاولة متعمدة ومنهجية لتشكيل الإدراك والتأثير في الفهم وتوجيه السلوك نحو نتيجة تخدم هدف الجهة المنتجة للرسالة. وقد شددا على أن المادة الدعائية يمكن أن تستخدم معلومات صحيحة جزئيا، وربما وثائق معينة، ووقائع حقيقية، ثم تعيد ترتيبها وانتقاءها بطريقة تنتج استنتاجا يتجاوز ما تثبته الأدلة.

«بيغاسوس» برنامج حقيقي، وقد استُعمل فعلا في دول عدة، وأصيبت به أجهزة مسؤولين وصحفيين ونشطاء. ليست هذه هي نقطة الخلاف. موضع النزاع هو الانتقال من وجود البرنامج داخل هاتف إلى تحديد الدولة التي شغلته، ثم المؤسسة التي تحكمت في الحساب، ثم المسؤول الذي أصدر الأمر.

الحملة الجديدة تختصر هذه السلسلة الطويلة. الأثر التقني يصبح هوية المشغل، وتشابه المؤشرات يصبح حسابا مغربيا، واسم رمزي يصبح عقد اقتناء، وشهادة مجهولة تصبح بديلا عن سجل التشغيل. وفي الوقت نفسه، يعترف بعض شركائها بأن العلامات التقنية لا تكفي قضائيا لإسناد المسؤولية إلى المغرب، وأن عدد الهواتف التي تعرضت لإصابة محتملة لا يمكن تحديده، وأن بعض اللقاءات ومسارات التمويل لم يتم التحقق منها بصورة مستقلة.

هنا تظهر الخاصية الدعائية في أوضح صورها. اليقين يتصدر العنوان، بينما تحفظات الخبراء والمحققين توضع داخل السرد. يدخل القارئ من باب «الأدلة الحاسمة»، ثم يكتشف في الداخل أن الدليل المالي مجهول، والدليل المادي والتقني غائب، والمشغل غير محدد قضائيا، وبعض الوقائع الأساسية لا تعتمد إلا على مصدر مخفي.

عملية تأثير وليس استقصاء صحفي

المفهوم الأكثر التصاقا ببنية الحملة هو «عملية التأثير». ففي الإطار الذي نشره سنة 2025 معهد الدفاع النفسي بجامعة Lund، قدم الباحث السويدي Björn Palmertz وزملاؤه منهجا لإسناد عمليات التأثير، يقوم على فصل أربعة عناصر: السلوك المنفذ، والبنية التي تنشره، والمصالح التي يخدمها، والأدلة التي تربطه بفاعل معين. ويحذر الإطار من القفز من التشابه في الرسائل أو التزامن إلى إسناد مباشر من دون تقييم متدرج لقوة الأدلة.

وفي يناير 2026، أعاد مركز الاتصال الاستراتيجي التابع لحلف شمال الأطلسي تطوير هذه المقاربة، مؤكدا أن عمليات التأثير لا تُفهم من محتوى الرسالة وحده، بل من تنسيقها، ومسار توزيعها، وتوقيتها، والأهداف التي تسعى إلى تعديل سلوكها.

عند تطبيق هذه المؤشرات على حملة «فوربيدن ستوريز»، تظهر عناصر واضحة. هناك مركز تنسيق واحد، ومادة مشتركة، ومختبر تقني واحد، ومصدر محوري واحد، وتقسيم للأدوار بين المنابر، ونشر متزامن بلغات ودول مختلفة، ثم انتقال فوري من الكشف الصحفي إلى الضغط على الحكومات والعلاقات الدبلوماسية. هذه السمات لا تثبت وحدها أن جهاز استخبارات يدير المشروع، لكنها تجعل المنتج النهائي أقرب إلى عملية تأثير مكتملة الأدوات من تحقيق مستقل تنتهي وظيفته عند نشر المعلومات.

وتتضح الوظيفة أكثر في إسبانيا. فقد أخذت إحدى المواد تعاون الحرس المدني مع المؤسسة الأمنية المغربية، بما فيه التدريب والزيارات والعمليات المشتركة، وأعادت صياغته داخل قصة «خيانة». لم تعد الوقائع الرسمية قرينة على استمرار الثقة، بل تحولت إلى وسيلة لتعظيم أثر الاتهام: الجهة التي ساعدتموها هي نفسها التي تجسست عليكم. الرسالة تستهدف هنا العلاقة المؤسسية مباشرة، لا مجرد إخبار الجمهور بحادثة تقنية.

من التكرار إلى «غسل المعلومات»

يفسر مفهوم «غسل المعلومات» الطريقة التي تتحول بها مادة واحدة إلى ما يبدو إجماعا دوليا. ففي دراسة Information Laundering in the Nordic-Baltic Region، التي أعدتها الباحثة الإسبانية Belén Carrasco Rodríguez  ونشرها مركز NATO StratCom سنة 2020، جرى تحليل 32 عملية شارك فيها 570 فاعلا. وخلصت الدراسة إلى أن غسل المعلومات يقوم على تمرير رواية عبر وسطاء ومنابر يعيدون صياغتها ويمنحونها شرعية متزايدة، حتى يختفي الأصل الواحد خلف تعدد الناشرين. ولا يشترط أن تكون المادة مزورة بالكامل؛ قد تكون معلومة حقيقية أخرجت من سياقها، أو فرضية أعيد تدويرها، أو اقتباسا اكتسب معنى أوسع مع كل عملية نقل.

هذا هو «أثر الائتلاف» في مشروع «بيغاسوس». فظهور الاتهام في صحيفة فرنسية وإذاعة عمومية ومنبر إسباني ومؤسسة ألمانية وموقع دولي يوحي بأن جهات منفصلة توصلت إلى النتيجة نفسها. لكن المنابر لم تبدأ من مصادر مختلفة ولم تنجز خبرات منفصلة، بل اشتغلت داخل مشروع واحد على المادة ذاتها.

تعدد الصحفيين يزيد الانتشار والإنتاج، لكنه لا يضاعف عدد الأدلة. ومقال في باريس يعيد صياغة شهادة المصدر نفسه لا يصبح تأكيدا مستقلا لمقال في مدريد. وعندما تبدأ المنابر لاحقا في الاستشهاد ببعضها بعضا، تظهر دائرة مرجعية مغلقة تمنح الادعاء شرعية مستمدة من اتساع تداوله لا من ظهور وثيقة جديدة.

المصدر الأمني بين الإثبات والتوظيف

لا تتحول رواية موظف سابق في جهاز استخبارات إلى دليل لمجرد أن ناشريها وصفوه بأنه «من الداخل». فالمصدر الأمني قد يكشف وقائع صحيحة، لكنه قد ينقل معرفة جزئية خارج سياقها، أو يعيد تفسير أحداث قديمة وفق خصومة لاحقة، أو يُستعمل من جهة أخرى لتمرير رواية منتقاة. لذلك لا يقتصر التحقق على التأكد من أن شخصا ما اشتغل فعلا داخل الجهاز، بل يشمل موقعه الوظيفي، ومدى وصوله إلى الملفات التي يتحدث عنها، ودوافعه، وتوقيت ظهوره، والوسطاء الذين أوصلوه إلى الصحافة، ثم وجود وثائق مستقلة تسمح باختبار أقواله من خارج الدائرة التي قدمته. وهذا هو جوهر التحذير الذي يقدمه الصحفي والباحث البريطاني Paul Lashmar  في كتابه Spies, Spin and the Fourth Estate: British Intelligence and the Media: المصدر الاستخباراتي قد يكون كاشفا للمعلومة، لكنه قد يكون أيضا جزءا من العملية التي يراد من المعلومة أن تؤديها.

وتكشف حالة الموظف الأميركي السابق Edward Snowden الفارق بين حماية المصدر وبين مطالبة الجمهور بتصديق شخصية لا يستطيع فحص وجودها. فقد زود (سنودن) الصحفي الأميركي Glenn Greenwald والمخرجة والصحفية الأميركية Laura Poitras والصحفي البريطاني Ewen MacAskill بآلاف الوثائق الأصلية، واستندت المواد الأولى إلى أوامر قضائية سرية وعروض داخلية أمكن للصحف مراجعتها ونشر أجزاء منها.

وبعد أيام من بدء النشر في يونيو 2013، كشف Snowden هويته بطلب منه بعد مقابلات مباشرة أجرتها معه The Guardian، فأصبح وجوده وصفته ومساره المهني منفصلين وقابلين للتحقق عن الجدل حول دوافعه أو الجهات التي استفادت لاحقا من تسريباته. لم يُطلب من القارئ أن يصدق لقبا رمزيا فقط، بل وُضعت أمامه شخصية معلومة ووثائق واسعة ومادة خضعت لفحص أكثر من منبر. وحتى في هذه الحالة، ظلت دوافعه ومسار وصوله إلى روسيا والجهات التي ربما استفادت من تسريباته موضوع نقاش استخباراتي وسياسي. العبرة أن وجود المصدر لا يحسم استقلاله، وأن صحة بعض ما يقدمه لا تلغي ضرورة البحث في مساره وعلاقاته والوظيفة التي يؤديها تسريبه.

أما في حالة «سفير»، فلا تقدم المواد المنشورة ما يسمح للجمهور بإثبات وجوده خارج تأكيد الصحفيين أنفسهم. فقد أخفت الحملة عمره، ومكان وجوده، وصوته، ومظهره، ورتبته الدقيقة، وطبيعة مهامه، ولم تنشر وثيقة مهنية أو إدارية تثبت أنه خدم داخل DGST أو أن موقعه كان يتيح له الاطلاع على هذا الطيف الواسع من الملفات. والأكثر إرباكا أن البناء لا يعتمد عليه وحده؛ إذ تشير المواد إلى «مصدر ثان من الاستخبارات المغربية»، و«عنصر سابق آخر»، و«ثلاثة أعضاء سابقين»، فضلا عن «مسؤولين في أجهزة استخبارات أوروبية»، من دون منح معظم هؤلاء حتى أسماء مستعارة ثابتة أو توصيفات تسمح بمعرفة ما إذا كانوا مصادر مستقلة فعلا، أم أن المصدر نفسه يعاد تقديمه بصيغ مختلفة عبر مواد الائتلاف. وهنا لا تعود السرية مجرد حماية لهوية المصدر، بل تصبح حجابا يمنع القارئ من فحص عدد المصادر، واستقلالها، وصلتها ببعضها، والدوافع أو الجهات التي قد تكون أحاطت بمسارها.

فرنسا.. الصحافة داخل المجال الاستخباراتي

في فرنسا، لا تنتمي علاقة الصحفيين بأجهزة الاستخبارات إلى عالم الافتراض وحده. فقد خصص الأكاديميان الفرنسيان Hugues Moutouh و Jérôme Poirot في Dictionnaire du renseignement، الصادر سنة 2018، مدخلا لمفهوم «المراسل الشرفي»، وهو شخص لا ينتمي رسميا إلى الجهاز لكنه يقدم له معلومات أو خدمات أو يسهل وصوله إلى أوساط معينة. وتكتسب المهن الصحفية أهمية خاصة في هذا النظام بسبب قدرة أصحابها على السفر، والاتصال بمصادر حساسة، والدخول إلى مناطق وشبكات لا يستطيع ضابط استخبارات معلن الوصول إليها بسهولة.

وتحول هذا النموذج إلى حالة موثقة مع الصحفي ومراسل الحروب الفرنسي Patrick Denaud، الذي كشف أنه عمل لصالح DGSE بين 1994 و2002، في الوقت الذي كان يحمل فيه صفة صحفية وخبرة سابقة مع TF1 وCBS News. وتوضح دراسة نشرتها Revue Défense Nationale سنة 2021 أنه خضع لتكوين استخباراتي وتولى مهام جمع معلومات تحت إشراف ضباط معالجة، مستفيدا من قدرة الصحفي على التحرك والاتصال والوصول. وتثبت هذه السابقة أن الواجهة الصحفية قد تستعمل فعليا غطاء لنشاط استخباراتي، وأن العلاقة قد تتجاوز تلقي التسريبات إلى المشاركة المباشرة في جمع المعلومات.

كما كشفت القضية التي جمعت الصحفيين الفرنسيين Jean-Marie Colombani وJacques Isnard بالكاتب والباحث الفرنسي Jean-Paul Gouteux عن حساسية هذه الروابط داخل الصحافة الفرنسية نفسها. ففي حكم صادر عن محكمة الاستئناف في باريس في 29 مارس 2006، رُفضت دعوى التشهير التي رفعها الصحفيان بعد وصفهما ضمن نقاش يتعلق بـ«المراسلين الشرفيين»، واعتبرت المحكمة أن الكاتب استند إلى عمل جدي وعناصر تسمح له بطرح المسألة بحسن نية، من بينها ما نُشر عن العلاقات الخاصة بين Claude Silberzahn المدير السابق لـ DGSE، وصحيفة Le Monde. لم يثبت الحكم تجنيدا رسميا للصحفيين، لكنه أكد أن بحث انتقال الروايات والمعلومات بين أجهزة الاستخبارات والمنابر الإعلامية يقع داخل دائرة النقاش المشروع. ومن ثم، فإن ورود مذكرات أمنية مجهولة المصدر وتسريبات استخباراتية داخل حملة دولية لا ينبغي أن يُعامل كضمان للصدقية، بل كسبب إضافي لفحص ما إذا كانت الصحافة تحقق في المادة أم تؤدي دور القناة داخل صراع أوسع على القرار والتأثير.

سوابق إسبانية تكشف استخدام الصحافة في عمليات مشبوهة

في إسبانيا، لا يتعلق الربط بين الأجهزة والأوساط الإعلامية بنظرية مجردة. ففي سنة 1995، سرّب Juan Alberto Perote، المسؤول السابق في جهاز CESID، أكثر من ألف وثيقة إلى صحيفة El Mundo، وكشفت التسريبات مراقبة سياسيين وقضاة وشخصيات عامة. وقد درست أبحاث لاحقة هذه الواقعة باعتبارها نموذجا مباشرا لانتقال صراعات أجهزة الدولة إلى الصحافة عبر وثائق أمنية منتقاة.

والأوضح هو ملف المفوض السابق José Manuel Villarejo، الذي كشف عن شبكة جمعت التجسس والتسريب والتشهير والإعلام. فقد أظهرت تحقيقات قضائية وصحفية أن تقارير بوليسية كاذبة أو محرفة استُخدمت لاستهداف خصوم سياسيين، ثم سُربت إلى وسائل إعلام لإكسابها المصداقية والتأثير في الرأي العام. وذكرت El País، في تحقيقها حول «الأعمال السرية» التي دارت داخل وزارة الداخلية، أن مواد غير موثوقة فُبركت أو عُدلت ثم دُفعت إلى الصحافة لإلحاق الضرر بقيادات كتالونية وحزب Podemos وشخصيات أخرى.

وتكتسب هذه السابقة دلالة أكبر بعد أن قضت المحكمة الوطنية الإسبانية في 5 ماي2026 بسجن José Manuel Villarejo  ثلاث سنوات وستة أشهر بتهمة إفشاء أسرار خاصة ونشرها لدى الغير، بعدما ثبت أنه حصل بصورة غير مشروعة على محتويات هاتف مسروق يعود إلى Dina Bousselham، المستشارة السابقة لـ Pablo Iglesias، ثم سلّم الملفات إلى صحفيين من «دائرة ثقته» في El Confidencial و Okdiario لإنتاج مواد تستهدف تشويه حزب Podemos وزعيمه. وجاء هذا الحكم بعد تثبيت مسؤوليته في قضايا أخرى تتعلق بالحصول على أسرار شخصية وتجارية وكشفها، بعقوبة خُفضت استئنافيا إلى 13 سنة.

ولا يتعلق الأمر هنا بافتراض نظري حول استعمال الصحافة داخل عمليات أمنية، بل بنموذج أثبته القضاء الإسباني، قام على انتقال معلومات خاصة من مسؤول أمني إلى منابر مختارة لتغليف عملية استهداف سياسي في صورة مواد إعلامية. وكان المغرب بدوره ضحية لروايات Villarejo، إذ نسب في سنة 2019 اعتداءات 11 مارس 2004 في مدريد إلى تعاون مزعوم بين الاستخبارات المغربية والفرنسية، قبل أن ترفض المحكمة الوطنية والنيابة العامة إعادة فتح الملف، معتبرتين أن روايته تفتقر إلى المصداقية وأنه لا يُعد حتى شاهدا مرجعيا على الوقائع. هذه السابقة لا تثبت صلته بالحملة الراهنة، لكنها تؤكد أن الروايات الخارجة من الأوساط الأمنية قد تكون جزءا من عملية تشهير أو تصفية حساب أو تأثير سياسي، وأن انتقالها إلى الصحافة لا يمنحها صفة الحقيقة ما لم تسندها وثائق يمكن فحصها بصورة مستقلة.

لا يعني بالضرورة ذلك أن الصحفي الذي يتلقى وثيقة أمنية يصبح جزءا واعيا من عملية استخباراتية. لكنه يوضح أن الواجهة الإعلامية يمكن استخدامها لتحويل تقرير أمني غير مثبت إلى واقعة عامة، وأن التسريب قد يكون مرحلة من عملية التأثير لا عملا منفصلا عنها. وهو ما يفرض السؤال نفسه في حملة «بيغاسوس»: هل تقدم المنابر وثائق مستقلة تقود إلى النتيجة، أم تعيد إخراج مواد ومصادر أمنية داخل قالب يمنحها شرعية صحفية دولية؟

المثال البريطاني.. الإعلام جزء من استراتيجية المعلومات والتأثير الاستخباراتي

لا تخفي العقيدة البريطانية الرسمية أن الإعلام يمثل أداة داخل استراتيجية المعلومات. فقد نص دليل وزارة الدفاع البريطانية JDP 3-45.1 Media Operations على أن عمليات الإعلام عنصر أساسي في نشر الرسائل والموضوعات المحددة ضمن «استراتيجية المعلومات»، وأن العمل الإعلامي يندمج في التخطيط العملياتي على المستويات الاستراتيجية والميدانية.

وفي العقيدة المشتركة Allied Joint Doctrine for Information Operations المنشورة سنة 2023، وثقت وزارة الدفاع البريطانية كيف جرى رفع السرية بسرعة عن معلومات استخباراتية ودفعها إلى وسائل الإعلام من أجل تشكيل البيئة المعلوماتية، وإسناد المسؤولية، ومواجهة روايات الخصم وتحقيق نتائج سياسية وعسكرية.

هذه الوثائق لا تدين الصحافة ولا تنفي شرعية النشر. لكنها تثبت أن أجهزة الدولة تنظر إلى الإعلام باعتباره ساحة ووسيلة عملياتية. ولذلك فإن وجود مادة استخباراتية داخل تحقيق دولي لا يمكن فصله تلقائيا عن الوظيفة التي قد تؤديها في الصراع السياسي والدبلوماسي.

حرب هجينة بغطاء صحفي

الحرب الهجينة ليست مرادفا لكل حملة إعلامية منسقة. المركز الأوروبي لمواجهة التهديدات الهجينة يعرف التهديد الهجين باعتباره استخداما منسقا لأدوات سياسية واقتصادية وإعلامية وسيبرانية وغير عسكرية لاستغلال نقاط ضعف الهدف والتأثير في قراره، مع العمل غالبا تحت عتبة المواجهة المباشرة.

أما مفهوم Foreign Information Manipulation & Interference (FIMI)، أي التلاعب والتدخل الأجنبي في المعلومات، الذي طوره الاتحاد الأوروبي في تقاريره الحديثة، فيركز على نمط السلوك لا على صحة كل جملة منفردة. فالمادة قد تحتوي عناصر صحيحة، لكن تنسيق الفاعلين، وإخفاء المسار، والتضخيم المصطنع، واستهداف القرار السياسي، يمكن أن يجعلها جزءا من عملية تدخل. ويؤكد التقرير الرابع للاتحاد الأوروبي الصادر في مارس 2026 أن تحليل العمليات يتطلب رصد البنية والفاعلين ومسار الانتقال والمنصات والأثر، لا الاكتفاء بتصنيف المحتوى إلى صحيح أو كاذب.

بناء على ذلك، فإن حملة «فوربيدن ستوريز»، قد يكون جزءا مهما منها تمت هندسته من طرف جهة استخباراتية، لأن خصائصها (الحملة) تضعها بوضوح داخل مجال عمليات التأثير ذات البعد الهجين: مصدر أمني مجهول، وثائق استخباراتية منتقاة، شبكة دولية من الواجهات الإعلامية، نشر متزامن، استهداف مباشر للثقة بين دول ومؤسسات، ومحاولة نقل اتهام غير محسوم قضائيا إلى صلب القرار الدبلوماسي.

في الحلقات المقبلة من سلسلة «أسرار وكواليس حملة فوربيدن ستوريز ضد المغرب»، سنضع كل ادعاء أمام مصدره وما يستطيع إثباته فعليا. سنفكك المصدر المزعوم «سفير»، ومسار الاقتناء الإماراتي المزعوم، و«مورغان»، والخلط بين الاستهداف والاختراق، وروايات عمر الراضي، وما اختفى بين موسم 2021 وموسم 2026، ثم نعود إلى القضاء والخبراء والمسؤولين والشبكة البشرية والمؤسساتية الواقفة خلف الحملة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى