خرافة بيغاسوس من جديد.. فوربيدن ستوريز والهوس المرضي بإتهام المغرب

لم يكن مفاجئا أن تعود بعض المنصات الإعلامية الغربية، وفي مقدمتها El Confidencial وائتلاف Forbidden Stories، إلى إعادة إحياء ملف “Pegasus” وتوجيه الأنظار مجددا نحو المغرب. غير أن خطورة الاتهامات الموجهة إلى دولة ذات سيادة تفرض، وفق أبسط قواعد القانون الدولي وأصول الصحافة الاستقصائية، أن تبنى الاستنتاجات على أدلة مادية مباشرة وقابلة للتحقق، لا على حجم التغطية الإعلامية أو قوة العناوين. فكلما ارتفع سقف الاتهام، ارتفع معه معيار الإثبات. ومن هنا، يصبح من المشروع إخضاع هذه التحقيقات لقراءة نقدية هادئة تتجاوز الانطباعات الأولى، وتفحص مدى اتساق منهجيتها وصلابة ما تستند إليه من معطيات.

وعند التمعن في المواد المنشورة، يلاحظ أن التحقيقات تقدم سردية متماسكة من حيث البناء الصحفي، لكنها تثير في المقابل عددا من التساؤلات الجوهرية حول طبيعة الأدلة المعروضة. فهي تعتمد على مؤشرات تقنية، وشهادات، وتحليلات رقمية، ولوائح تضم آلاف الأرقام الهاتفية، غير أن الانتقال من هذه المؤشرات إلى تحميل المسؤولية لدولة بعينها يظل، في نظر كثير من المختصين، خطوة تتطلب مستوى أعلى من الإثبات.

وتبرز أولى الإشكالات المنهجية في الطريقة التي بنيت بها لائحة الأهداف المفترضة. فقد استند الائتلاف إلى قائمة تضم آلاف أرقام الهواتف باعتبارها مؤشرا على وجود عمليات استهداف، بينما يظل السؤال قائما حول ما إذا كان إدراج رقم في قاعدة بيانات أو لائحة اهتمام يعني، بالضرورة، تعرض الجهاز للاختراق فعلياً. فمن الناحية التقنية، لا يكفي وجود رقم هاتف في قائمة معينة لإثبات إصابة الجهاز ببرمجية “Pegasus”، كما أن المواد المنشورة لا تعرض، بحسب ما هو متاح للرأي العام، الدليل الذي يربط بصورة مباشرة بين تلك القوائم وبين جهة رسمية مغربية تولت إعدادها أو تشغيلها. وهنا تظهر الفجوة بين وجود مؤشر يستحق الدراسة وبين اعتباره دليلاً حاسماً على المسؤولية.

ويزداد هذا التساؤل مع الطريقة التي عرضت بها المادة البصرية داخل التحقيقات. فقد امتلأت التقارير بعشرات لقطات الشاشة، والرسوم البيانية، والواجهات التقنية، بما يمنح القارئ انطباعا أوليا بأنه أمام ملف مكتمل الأركان. غير أن كثافة العرض البصري لا تعني، في حد ذاتها، اكتمال الإثبات. فبعد تجاوز هذا الكم من الصور والرسومات، يظل السؤال نفسه مطروحا أين الوثيقة الرسمية التي تثبت وجود تعاقد مع شركة NSO Group؟ وأين أوامر الشراء أو التشغيل؟ وأين الفواتير أو التحويلات المالية أو أي مسار مالي موثق يربط مؤسسات الدولة المغربية باقتناء برنامج “Pegasus” أو تشغيله؟ وأين الدليل المباشر الذي ينسب عمليات الاختراق المزعومة إلى السلطات المغربية؟ إن الصور والرسوم قد تدعم السرد الصحفي، لكنها لا تحل محل الوثائق الأصلية عندما يتعلق الأمر باتهامات بهذا المستوى.

أما على المستوى التقني، فقد أولت El Confidencial مساحة واسعة لاستعراض أدوات وبرمجيات مثل Hailstorm وNighthawk وRCS وغيرها، غير أن القيمة الجنائية لأي تحليل رقمي لا تقاس بتعدد الأدوات المذكورة، وإنما بقدرته على تقديم دليل جنائي رقمي مستقل وقابل للتحقق. فالمواد المنشورة تعتمد بدرجة كبيرة على تحليلات أنجزتها جهات مشاركة في المشروع نفسه، بينما يبقى النقاش قائما حول مدى خضوع هذه النتائج لمراجعة تقنية مستقلة ومحايدة وفق المعايير المعتمدة في الأدلة الرقمية. كما أن القارئ لا يجد، في المواد المنشورة، ما يربط بصورة مباشرة بين خوادم التحكم والتشغيل وبين بنية تحتية رسمية تابعة للمغرب، وهو عنصر يعد أساسياً إذا أُريد الانتقال من فرضية تقنية إلى اتهام محدد.

ولا تقف علامات الاستفهام عند الجانب التقني، بل تمتد إلى البعد المالي والإداري. فإذا كان الأمر يتعلق، كما توحي التحقيقات، باقتناء منظومات سيبرانية عالية الكلفة من شركات دولية، فإن المنهج الاستقصائي يقتضي تتبع مسار الأموال والوثائق الإدارية ذات الصلة. غير أن القارئ لا يعثر، ضمن المواد المنشورة، على عقود شراء رسمية، أو أوامر صرف، أو تحويلات مالية موثقة، أو وثائق تعاقدية يمكن أن تشكل رابطا مباشرا بين الجهات المتهمة وتلك المنظومات. ويبقى هذا الجانب، بحكم طبيعته، من أكثر العناصر أهمية في أي تحقيق يسعى إلى بناء استنتاجات قابلة للدفاع عنها قانونيا.

كما يثير اعتماد التحقيق على مصادر مجهولة أو موظفين سابقين، دون تمكين القارئ من تقييم مدى مصداقيتهم أو دوافعهم أو إمكانية التحقق المستقل من شهاداتهم، نقاشا مهنيا مشروعا حول حدود الاعتماد على هذا النوع من المصادر، خاصة عندما يتعلق الأمر بملفات ذات أبعاد سياسية ودبلوماسية معقدة. ويزداد هذا النقاش أهمية عندما يكون من الصعب على القارئ الاطلاع على الأدلة الأصلية التي استندت إليها تلك الشهادات.

ومن زاوية أخرى، يبدو أن التحقيقات لا تمنح حيزا كافيا للتفسيرات التقنية البديلة المعروفة في عالم الأمن السيبراني، ومن بينها عمليات False Flag التي تقوم على إخفاء هوية الفاعل الحقيقي أو محاكاة بصمات تقنية توحي بضلوع طرف آخر. ولا يعني ذلك الجزم بحدوث هذا السيناريو في الحالة محل النقاش، لكنه احتمال يناقشه خبراء الأمن السيبراني، وكان من شأن التطرق إليه أن يمنح التحقيق قدرا أكبر من التوازن والحياد.

كما أن تزامن إعادة إحياء هذا الملف مع محطات دبلوماسية بارزة تخص المغرب يثير بدوره تساؤلات مشروعة لدى عدد من المتابعين. ولا يكفي هذا التزامن، بطبيعة الحال، لإثبات وجود دوافع سياسية، لكنه يبقى عنصراً يستحق النقاش والتحليل، خاصة في ظل حساسية هذا النوع من الملفات وتأثيره في صورة الدول داخل الرأي العام الدولي.

وفي الاخير، فإن قيمة أي تحقيق استقصائي لا تقاس بعدد المؤسسات الإعلامية المشاركة فيه، ولا بحجم المواد المنشورة أو كثافة الرسوم واللقطات التقنية، بل بقدرته على تقديم أدلة مباشرة تسمح للقارئ، وللقضاء عند الاقتضاء، بالانتقال من دائرة الاحتمال إلى دائرة الإثبات. وإلى أن تقدّم مثل هذه الأدلة بصورة واضحة وقابلة للتحقق، سيظل ملف “Pegasus” موضوعا مفتوحا للنقاش، وستظل الأسئلة المتعلقة بمنهجية التحقيقات، وطبيعة أدلتها، وحدود استنتاجاتها، مطروحة بإلحاح في إطار نقاش مهني وقانوني مشروع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى