تحول سياسي في بوغوتا يعزز مكاسب المغرب الدبلوماسية.. والبوليساريو تترقب خسارة حليف جدي

في مؤشر قد يؤسس لتحول جديد في العلاقات المغربية الكولومبية، تبرز أولى الإشارات الصادرة عن الرئيس الكولومبي المنتخب، أبيلاردو دي لا إسبرييلا، كمعطى دبلوماسي لافت يوحي بإمكانية فتح صفحة جديدة بين الرباط وبوغوتا، بعد سنوات من التوتر الذي طبع موقف الإدارة اليسارية السابقة بقيادة غوستافو بيترو من قضية الصحراء المغربية.
وأعلنت الرئاسة المنتخبة في كولومبيا، في بلاغ صحفي رسمي، أن الملك محمد السادس بعث رسالة تهنئة إلى الرئيس المنتخب أبيلاردو دي لا إسبرييلا، معرباً عن إرادة المملكة إرساء دينامية جديدة في العلاقات الثنائية بين البلدين.
ولم تقتصر الرسالة الملكية، وفق البلاغ ذاته، على الجانب البروتوكولي المرتبط بتهنئة رئيس منتخب، بل تضمنت دعوة واضحة إلى بناء شراكة متجددة تقوم على الحوار البناء والاحترام المتبادل للسيادة الوطنية وخدمة المصالح المشتركة للشعبين المغربي والكولومبي.
وجاء في الرسالة الملكية: “إن جهودنا المشتركة يمكن أن تمنح زخماً جديداً لتعاوننا الثنائي، في إطار حوار بنّاء واحترام متبادل لسيادتنا الوطنية، بما يخدم تطلعات ومصالح شعبينا الصديقين”.
وتحمل هذه الرسالة دلالات دبلوماسية مهمة، باعتبارها من أرفع التهاني الدولية التي تلقاها الرئيس المنتخب عقب فوزه، كما تعكس استعداد الرباط لفتح آفاق جديدة للتعاون في مجالات التجارة والاستثمار والأمن الغذائي وتطوير الموانئ والربط الأطلسي، فضلاً عن تعزيز الحضور الدبلوماسي بين أمريكا اللاتينية وإفريقيا والعالم العربي.
وتأتي هذه المستجدات في سياق مرحلة اتسمت بتراجع العلاقات المغربية الكولومبية منذ وصول الرئيس اليساري السابق غوستافو بيترو إلى السلطة في غشت 2022، حين قرر إعادة العلاقات الدبلوماسية مع “الجمهورية الصحراوية” المزعومة، في خطوة شكلت تحولاً جذرياً مقارنة بمواقف الإدارة السابقة بقيادة إيفان دوكي التي كانت تدعم بشكل واضح مبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب لحل النزاع.
ولم يحظ هذا التحول بإجماع داخل المؤسسات الكولومبية، إذ شهدت البلاد مواقف معارضة واسعة من قبل قوى سياسية وبرلمانية اعتبرت أن القرار يضر بالمصالح الاستراتيجية لكولومبيا ويؤثر سلباً على علاقاتها مع شريك إفريقي وازن مثل المغرب.
وخلال السنوات الأخيرة، تبنى عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الكولومبي مواقف داعمة للوحدة الترابية للمملكة، مؤكدين أهمية الحفاظ على علاقات التعاون مع الرباط وتعزيز الشراكات الاقتصادية والسياسية بين البلدين، في وقت مارست فيه الأوساط الاقتصادية ضغوطاً متواصلة للحفاظ على المصالح المشتركة في مجالات الفلاحة والأسمدة والتبادل التجاري.
ويبرز هذا التباين وجود اختلاف واضح بين توجهات السلطة التنفيذية السابقة وبعض المؤسسات الأخرى داخل الدولة الكولومبية، حيث استمرت قطاعات سياسية واقتصادية في الدفاع عن توطيد العلاقات مع المغرب رغم المواقف الرسمية التي تبنتها حكومة بيترو.
وفي قراءة لهذه التطورات، قال عبد العالي سرحان، الباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، إن ما يجري لا يتعلق بمجرد تبادل رسائل تهنئة بين الرباط وبوغوتا، بل يعكس محاولة لإعادة بناء التوازنات الاستراتيجية التي اختلت خلال السنوات الأربع الماضية.
وأوضح سرحان في تصريح لجريدة “مدار21” الإلكترونية، أن المغرب ينظر إلى أمريكا اللاتينية باعتبارها إحدى الساحات الأساسية في معركة الشرعية الدولية المرتبطة بقضية الصحراء، ولذلك فإن أي تحول في موقف دولة بحجم كولومبيا لا يُقاس فقط بمضمونه الثنائي، بل بتأثيره الرمزي والإقليمي داخل الفضاء اللاتيني.
وأضاف الباحث ذاته أن الرسالة الملكية يمكن فهمها باعتبارها مبادرة استباقية تهدف إلى تثبيت منطق الاستمرارية المؤسساتية في العلاقات الدولية، وإلى الفصل بين الخلافات الظرفية المرتبطة بالحكومات وبين المصالح الاستراتيجية طويلة الأمد للدول.
وأشار الباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية إلى أن التغيير المحتمل في المقاربة الكولومبية يعكس ظاهرة أوسع تشهدها السياسة الخارجية في أمريكا اللاتينية، تتمثل في التوتر الدائم بين الاعتبارات الإيديولوجية ومتطلبات البراغماتية الاقتصادية.
ولفت سرحان إلى أن قرار إدارة غوستافو بيترو بإعادة العلاقات مع ما يسمى بـ”الجمهورية الصحراوية” ارتبط برؤية يسارية ذات امتدادات تاريخية مرتبطة بخطابات التحرر وتقرير المصير، غير أن هذا التوجه اصطدم بمصالح مؤسسات اقتصادية وبرلمانية رأت أن كولومبيا تخسر شريكاً استراتيجياً يوفر لها منفذاً مهماً نحو الأسواق الإفريقية والعربية.
وأكد الباحث أن هذه المعطيات تكشف أن السياسة الخارجية الحديثة لم تعد حكراً على السلطة التنفيذية، بل أصبحت نتاجاً لتفاعل معقد بين رجال الأعمال والبرلمانات والنخب الاقتصادية، وهي قوى مارست ضغطاً مستمراً للحفاظ على قنوات التواصل مع المغرب رغم الخلاف السياسي الرسمي.
ويرى سرحان أن التقارب المرتقب بين الرباط وبوغوتا يندرج ضمن التحولات الكبرى التي يعرفها النظام الدولي نحو بناء شراكات عابرة للجغرافيا التقليدية، مبرزاً أن المغرب يعمل منذ سنوات على ترسيخ موقعه كقوة أطلسية تربط بين إفريقيا والعالم العربي وأمريكا اللاتينية، مستفيداً من موقعه الجيوسياسي ومشاريعه المينائية واللوجستية الكبرى.
وأضاف أن تبني الإدارة الجديدة بقيادة أبيلاردو دي لا إسبرييلا توجهاً أكثر براغماتية قد يؤدي إلى نشوء محور تعاون جديد يقوم على الأمن الغذائي وصناعة الأسمدة والربط البحري والاستثمارات المتبادلة، بما يمنح كولومبيا منفذاً استراتيجياً نحو إفريقيا، ويعزز في المقابل حضور المغرب داخل أمريكا اللاتينية.
وخلص المتحدث إلى أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في استعادة العلاقات الثنائية بين البلدين، بل في إعادة تعريف دور المغرب وكولومبيا داخل الفضاء الأطلسي الجديد الذي يتشكل تدريجياً كأحد أهم المجالات الجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي وصعود أنماط جديدة من الشراكات العابرة للقارات.



