بين زليخة مصر و زليخة الحسيمة.. رواية “قَدّ القميص” يعاد إنتاجها بأسلوب معاصر

لقد تعودنا في بلدنا السعيد أن لا تمر مناسبة وطنية أو دينية بسلام و طمأنينة و أن نعيش أجواءها بفرح و حبور عارمين دون أن يعكر صفوها بعض البائسين.
ففي كل موعد ديني أو وطني تتهافت الأطروحات المغلّفة برداء العواطف الاستعراضية حيث يُراد لدموع الأمهات وصيحات الثكالى أن تغدو صكوك غفران سياسية تتجاوز سلطة القانون ومؤسساته السيادية.
هناك خلف الكواليس تتربص شرذمة من عديمي الضمير، يجاهدون ما أمكنهم لتصوير مؤسسات الحكم في البلاد بمظهر الكيان المتربص بصرخات البيوت المكلومة و توظيف رمزية الأمومة المقدسة توظيفا بائسا لا يستقيم في موضع كهذا، و اللعب بالعواطف و دغدغة المشاعر و الأحاسيس خدمة لوجهة نظر حقودة.
و لعمري، فإن إعادة نشر فيديو لامرأة مسنة صبيحة عيد الأضحى و تلقينها ما تقول و جعلها في الواجهة الرقمية و خلق “بوليميك” عبر الوسائط الرقمية هو “التشيطين” على حقه و طريقه.
من يقف وراء زليخة أم ناصر الزفزافي المتابع بـ20 سنة سجنا نافذا بتهم المس بأمن الدولة، أظهرها وهي ترتدي السواد و تحمل السواد و تنطق السواد، موصيا إياها أن تستهدف الوجدان الجماعي للمغاربة بالتباكي عبر خطاب عاطفي مشحون تطغى عليه المرارة الإنسانية.
ابنك يا سيدتي المسمى ناصر الزفزافي، لم يظلمه أحد و لم يتعرض للجور أو الإجحاف كما أقنعوك بذلك “عديانين الله”، وإنما يؤدي ضريبة قيامه بأفعال تقع تحت طائلة القانون الجنائي، حينما عاث في الريف فسادا و تزعّم كل الانزلاقات الأمنية التي كادت تعصف بالسلم الأهلي، كما حرّض على العصيان و التخريب و الاعتداء على القوات العمومية التي تمثل رمز النظام العام، زيادة على تطاوله على خطيب الجمعة و منعه من أداء واجبه الديني.
إن القفز على الوقائع القانونية الجافة عبر الاستنجاد برمزية الأم يعد توظيفاً بائساً لا يستقيم في فقه إدارة الدول وصناعة الاستقرار، فالقول بأن الدولة تخوض مواجهة مع امرأة، مجرد ادعاء بئيس يتجاهل عمداً أن المتابعات القضائية طالت أفعالاً مادية موثقة، كما أن تحويل المتهمين المحكومين بأحكام قضائية نهائية إلى ضحايا رأي، و لعب ورقة الوالدات لجعلهم فوق النقد والمحاسبة، هو مسعى مفضوح لتقويض فكرة المواطنة القائمة على تلازم الحقوق بالواجبات، إذ لا توجد في أعراف الدول الحديثة حصانة عائلية تحجب العقاب عن التجاوزات التي تهدد كيان الأمة.
وهنا نستحضر عبر التاريخ أمثلة عديدة للادعاء وتزييف الحقائق و توجيه الرأي العام عبر قلب الأدوار واستدرار العواطف، فمثلما اندفعت “زليخة” امرأة عزيز مصر قديماً بصياغة رواية كاذبة و “قدّت” قميص يوسف من دُبُر لتظهر بمظهر الضحية البريئة وتلقي باللوم على الآخرين تبريراً للخطيئة، هناك من أراد إنتاج “زليخة” المعاصرة عبر الترويج لخطاب والدة الزفزافي الأخير قصد صنع مظلومية واهية تزور فيها الوقائع، دون أن يخبرها أن السجن هو جزاء من أراد بأهلنا سوءا.
في المقابل، فإن العفو الملكي الذي يطالب به هؤلاء بأسلوب يمزج بين الاستجداء والتعالي، ظل دائماً مكرمة سيادية منبثقة من تقدير دقيق لمصالح الوطن العليا، ويتحرك في فضاء الرحمة المشروطة بمراجعة الذات وإعلان التوبة والامتثال للثوابت الجامعة، ثم إن تسمية المدافعين عن هيبة ملكيتهم بـ”المتزلفين”، يعتبر هجوماً رخيصاً ومصادرة صبيانية لحق المغاربة في حماية رموزهم من محاولات الإقحام القسري في مزايدات سياسوية.
وعليه، فإن ناصر الزفزافي سيظل قابعا خلف القضبان تنفيذا للأحكام القضائية النهائية الصادرة في حقه طبقاً للقانون، أما مسألة استفادته من العفو فهي شأن من شؤون المؤسسة الملكية و هي من تحدد الشروط الذاتية و الموضوعية لتمتيع المعتقل بهذه الخدمة الجليلة من عدمه.



