هشام جيراندو.. حين يتحول الصراخ إلى “مضاد حيوي” لمكافحة الخوف

في كندا، حيث ينشغل أفراد الجالية بالعمل والاستقرار وبناء المستقبل، اختار هشام جيراندو أن يعيش داخل عالم مواز، عالم تصنعه الكاميرا وتغذيه الهواجس ويؤثثه القلق الدائم. المعني بالأمر يبدو كأنه دخل في صراع مفتوح مع ظله، فمن خلال نبرته المتشنجة وخرجاته الانفعالية يظهر حجم التوتر النفسي الذي يطارده، وهو يحاول عبثا إقناع نفسه قبل الآخرين أنه يشكل “رقما صعبا”، بينما الواقع يوحي بأنه مجرد ببغاء بعيد تجاوزته الأحداث.
جيراندو صار يعيش على إيقاع دائم من الشك والخوف والارتياب، كل فيديو جديد يبدو كأنه حلقة إضافية من مسلسل متكرر، يخرج بنبرة مستعجلة، وملامح مرهقة، يرفع صوته إلى أقصى درجة، ثم يبدأ في توزيع الاتهامات يمينا ويسارا دون حجج أو أدلة، مع إعادة تدوير نفس القصص والعناوين، فقط بتغليف مختلف لفيلم أصبح معروف النهاية لدى الجميع.
جيراندو بدأ يشعر أن لحظة السقوط تقترب، وأن جدران الغربة الباردة تضيق عليه يوما بعد يوم، فيما يلوح في الأفق شبح النهاية المحتومة لكل تلك البروباغندا التي بناها بالصراخ والتهويل. جيراندو صار أشبه بممثل يؤدي دور البطولة فوق خشبة مسرح فارغة، لا يتابعه سوى الفضوليون والعابرون، يصرخ كثيرا، يهاجم كثيرا، لكن خلف هذا الضجيج كله يظهر شخص متعب، يركض داخل متاهة صنعها بنفسه، متاهة بدأت بفيديوهات مثيرة وانتهت بحياة مثقلة بالضغط النفسي والعزلة والقلق.
حين يبدأ جيراندو في الصراخ حتى تكاد عروق رقبته تنفجر، فهو في الحقيقة لا يخاطب خصومه الوهميون بقدر ما يحاول إسكات خوفه الداخلي. كأن لسان حاله يقول: “أنا أصرخ إذن أنا موجود، أنا أهاجم إذن أنا لست خائفا”. الصراخ عنده لم يعد مجرد أسلوب، بل تحول إلى وسيلة دفاع نفسي يواجه بها ارتباكه اليومي.
جيراندو دخل مرحلة متقدمة من “الإدمان على الضجيج”، حتى صار الصوت المرتفع بديلا عن المنطق، والانفعال بديلا عن الحجة. كلما ارتفع منسوب الخوف، ارتفع معه مستوى الصراخ، وكأنه يعتقد أن الحقيقة تقاس بحدة الصوت المرتفع لا بالمعطيات والوقائع. حتى بعض متابعيه صاروا يشبهون أسلوبه ببائع في سوق أسبوعي دخل في شجار طويل لا ينتهي.
لكن جيراندو، على ما يبدو، قرر اختراع بروتوكول نفسي خاص به، خارج كل توصيات الأطباء والخبراء، يقوم على اعتبار الصراخ علاجا يوميا لمواجهة الخوف والقلق، غير أن خبراء علم النفس يرون أن هذا السلوك لا يعكس قوة أو ثقة بالنفس، بل يمثل “آلية دفاعية” كلاسيكية يلجأ إليها الشخص عندما يشعر بالحصار النفسي والخوف من المستقبل، والخوف من القانون، والأهم الخوف من لحظة الصمت، حين يبقى وحيدا أمام مرآته.
هكذا تحول الخوف إلى المخرج الحقيقي لمحتوى جيراندو، بينما صار الصراخ بمثابة “مضاد حيوي نفسي” يتناوله يوميا حتى لا ينهار تحت وطأة القلق الذي يطارده باستمرار.



