داخل غرفة العمليات المشتركة: كيف يقود المغرب وإسبانيا حربا صامتة ضد الجريمة العابرة للحدود؟

في لحظة رمزية تختزل سبعة عقود من البناء المؤسساتي والتحديث الأمني، تحل الذكرى السبعون لتأسيس المديرية العامة للأمن الوطني بوصفها مناسبة تتجاوز بعدها الاحتفالي، لتفتح الباب أمام قراءة أعمق للتحولات التي شهدها التعاون الأمني بين المغرب وإسبانيا، باعتباره واحدا من أكثر نماذج التنسيق الثنائي نجاعة داخل الفضاء الأورومتوسطي.

وفي هذا السياق، يبرز الحوار الحصري الذي خصّ به المدير العام للشرطة الوطنية الإسبانية مجلة «لوبسيرفاتور دو ماروك»، باعتباره شهادة سياسية وأمنية ذات دلالة، تكشف حجم التحول الذي عرفته العلاقات بين المؤسستين الأمنيتين خلال السنوات الأخيرة، كما تعكس إدراكا متقدما لطبيعة التهديدات العابرة للحدود التي باتت تفرض مقاربات مشتركة تتجاوز منطق التعاون الظرفي نحو بناء شراكة إستراتيجية متكاملة.

من التنسيق التقليدي إلى الشراكة الإستراتيجية

التحول الأبرز الذي يطبع العلاقات الأمنية المغربية الإسبانية يتمثل، بحسب المسؤول الإسباني، في الانتقال من مستوى التعاون المناسباتي إلى مستوى الشراكة الهيكلية القائمة على الثقة المتبادلة، والتواصل الدائم، وتقاسم المسؤولية الأمنية. وهو تحول لم يكن معزولا عن السياق الجيوسياسي الذي يربط البلدين، باعتبارهما نقطتي ارتكاز بين أوروبا وإفريقيا والواجهة الأطلسية والمتوسطية.

هذا القرب الجغرافي لم يعد يُقرأ فقط من زاوية الجوار، بل أصبح عاملا حاسما في توحيد الرؤى الأمنية، خصوصا في ظل تصاعد التهديدات المرتبطة بالإرهاب العابر للحدود، وتنامي نفوذ الشبكات الإجرامية في منطقة الساحل وحوض بحيرة تشاد، فضلا عن التحولات المعقدة التي تعرفها مسارات الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر.

وفي هذا الإطار، يبدو واضحا أن الرباط ومدريد نجحتا في تحويل إكراهات الجغرافيا إلى رافعة للتعاون، عبر بناء نموذج أمني يحظى باعتراف متزايد داخل الأوساط الدولية، ليس فقط بسبب فعاليته العملياتية، بل أيضا بسبب استمراريته وقدرته على التكيف مع التهديدات المستجدة.

الأمن المشترك في مواجهة الجريمة العابرة للحدود

الرسالة الجوهرية التي يحملها هذا الحوار تكمن في الإقرار بأن الأمن لم يعد شأنا وطنيا صرفا، بل بات مفهوما عابرا للحدود، تفرض طبيعته الجديدة مستويات أعلى من التنسيق الاستخباراتي والتعاون العملياتي. فالتهديدات التي تواجهها المنطقة اليوم، من الإرهاب والجريمة المنظمة إلى الجرائم السيبرانية ثم تجارة المخدرات، أصبحت أكثر تعقيدا وتشابكا ما يجعل من سرعة تبادل المعلومات والتدخل المشترك شرطا حاسما للنجاعة الأمنية.

وفي هذا السياق، يشكل اتفاق التعاون الأمني ومكافحة الجريمة الموقع بالرباط سنة 2019، ، الإطار المرجعي الذي ينظم هذا التعاون، حيث أتاح، وفق المعطيات الواردة في الحوار، تنفيذ عمليات مشتركة أسفرت عن تفكيك شبكات كبرى متخصصة في تهريب المخدرات والهجرة السرية والاتجار بالبشر، إضافة إلى تحييد خلايا مرتبطة بالإرهاب الجهادي.

ولا يقتصر الأمر على الجانب العملياتي فحسب، بل يمتد إلى تطوير آليات أكثر تقدما في مجال التحقيقات الثنائية، وتكثيف تبادل الخبرات، وتعزيز التنسيق القضائي، وهي عناصر تؤشر على انتقال التعاون بين البلدين إلى مستويات مؤسساتية أكثر عمقا.

الفضاء الأورومتوسطي… أمن مترابط ومصير مشترك

ما يلفت الانتباه في التصور الإسباني للتعاون مع المغرب هو اعتبار هذا التنسيق ركيزة أساسية لاستقرار الفضاء الأورومتوسطي برمته، وليس فقط آلية لحماية الحدود الثنائية. فالمغرب، بحكم موقعه الجيوسياسي، أصبح شريكا محوريا في ضبط التوازنات الأمنية المرتبطة بالهجرة غير النظامية، ومكافحة شبكات التهريب، والتصدي لدوائر التطرف العنيف. كما أن إسبانيا، باعتبارها بوابة جنوبية للاتحاد الأوروبي تدرك أن أمنها الداخلي يرتبط بشكل مباشر بمدى فعالية التعاون مع الرباط.

وتكتسب هذه المعادلة أهمية إضافية مع اقتراب تنظيم كأس العالم 2030 بشكل مشترك، وهو حدث عالمي سيضع المنظومة الأمنية في البلدين أمام تحديات معقدة تتطلب أعلى درجات الجاهزية والتنسيق.

الأمن الرقمي… التحدي الجديد

من بين أبرز المؤشرات التي كشفها الحوار أيضا، هي إدراك المؤسستين الأمنيتين للتحولات العميقة التي أحدثتها التكنولوجيا داخل بنية الجريمة المنظمة. فالشبكات الإجرامية لم تعد تعتمد فقط على الوسائل التقليدية، بل أصبحت تستثمر في العملات المشفرة، وأنظمة الاتصال المشفرة، والذكاء الاصطناعي، بما يفرض على الأجهزة الأمنية تطوير أدواتها وأساليب اشتغالها بشكل مستمر.

ومن هنا، يبرز التعاون في مجال الجرائم السيبرانية والاستخبارات الجنائية كأولوية مركزية في المرحلة المقبلة، إلى جانب تعزيز التكوين وتبادل الخبرات التقنية، بما يسمح بمواكبة التحولات المتسارعة في عالم الجريمة الرقمية.

رسائل الثقة والاعتراف المؤسسي

لا يخفي المدير العام للشرطة الوطنية الإسبانية، في ختام الحوار، تقديره الكبير للمهنية التي تتمتع بها المديرية العامة للأمن الوطني المغربي، معتبرا أن الذكرى السبعين لتأسيسها تجسد مسارا طويلا من الالتزام بخدمة الأمن العمومي وحماية المواطنين.

وتحمل هذه الإشادة بعدا يتجاوز المجاملة الدبلوماسية، إذ تعكس المكانة التي باتت تحتلها المؤسسة الأمنية المغربية كشريك موثوق داخل منظومة الأمن الإقليمي والدولي، خصوصا في ظل النجاحات المتراكمة التي حققتها في مجال مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.

وفي المحصلة، يكشف هذا الحوار أن التعاون الأمني بين المغرب وإسبانيا لم يعد مجرد خيار ظرفي تمليه الضرورات الآنية، بل أصبح جزءا من تصور استراتيجي أوسع يقوم على فكرة الأمن المشترك والمصير المتداخل داخل الفضاء الأورومتوسطي. وهي معادلة تبدو مرشحة لمزيد من الترسخ، في عالم تتزايد فيه التهديدات العابرة للحدود، وتصبح فيه الشراكات الأمنية المتينة أحد أهم شروط الاستقرار الإقليمي والدولي.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى