السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة: مستقبل المينورسو يجب أن يندرج في إطار مخطط الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية

في تطور لافت يسبق بأيام المراجعة الاستراتيجية المنتظرة لولاية بعثة المينورسو داخل مجلس الأمن، ربط السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، مستقبل تجديد مهمة البعثة الأممية بوجود مسار سياسي فعلي قائم على مخطط الحكم الذاتي المغربي تحت السيادة المغربية.

هذا الموقف، الذي صدر خلال جلسة استماع أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي، لا يعكس فقط دعما أمريكيا واضحا للمقاربة المغربية، بل يؤكد أيضا بأن وظيفة المينورسو نفسها دخلت مرحلة إعادة تعريف عميقة، عنوانها الانتقال من منطق تدبير الجمود إلى منطق مواكبة حل سياسي يتمحور حول المبادرة المغربية.

والتز قال، خلال الجلسة المخصصة لمناقشة إصلاح الأمم المتحدة وتقييم أولويات الولايات المتحدة داخلها، إن واشنطن شددت على أن يكون تجديد ولاية قوة حفظ السلام في الصحراء مرتبطا بـ”مسار سياسي حقيقي” يتخذ من مخطط الحكم الذاتي المغربي تحت السيادة المغربية أساسا للمفاوضات.

وبهذا المستجد، لم تعد الولايات المتحدة تكتفي بإعلان تأييدها للمغرب، بل أصبحت تربط البنية نفسها للحضور الأممي في الملف باتجاه سياسي محدد، بما يجعل هذا التصريح بمثابة خطوة مؤسسة لمرحلة جديدة في التعامل مع بعثة المينورسو.

وتأتي هذه الخرجة الأمريكية في سياق أوسع يكشف وجود إرادة متزايدة لإنهاء حالة الجمود التي طبعت هذا النزاع لعقود. فقد أشار والتز إلى أن هناك نقاشات جارية، تحت إشراف مشترك بين الولايات المتحدة والأمم المتحدة، من أجل إيجاد مخرج لنزاع مجمد منذ خمسين سنة.

واستحضار هذا الامتداد الزمني الطويل لا يبدو مجرد توصيف عابر، بل يحمل رسالة واضحة مفادها أن الصيغة القديمة استنفدت مبرراتها، وأن المينورسو مطالبة اليوم بأن تتحول من بعثة ارتبطت بمنطق ميداني تجاوزه الواقع إلى آلية أكثر التصاقا بالحل السياسي والدعم الدبلوماسي والتنسيق.

هذا التحول لا ينفصل عن واقع أن المينورسو، التي أُحدثت سنة 1991 بهدف تنظيم استفتاء لتقرير المصير، باتت اليوم في وضع متجاوز قياسا إلى التطورات السياسية والميدانية. فالمشروع الاستفتائي أصبح متقادما، بل صار في خبر كان، بينما أضحى مخطط الحكم الذاتي المغربي هو الإطار المرجعي الوحيد الذي تكرسه القرارات الأخيرة لمجلس الأمن، وعلى رأسها القرار 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025.

ذلك القرار، وإن كان قد مدد ولاية المينورسو لسنة إضافية، فإنه وضع في الوقت نفسه أسس إعادة تقييم عميق للبعثة. فقد كرس دعما صريحا لمقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره الإطار الوحيد الجدي وذي المصداقية للتوصل إلى حل سياسي، وهو ما يعني عمليا رفض الخيارات التي باتت توصف بغير الواقعية، وفي مقدمتها خيار الاستفتاء. كما فتح هذا التموقع الجديد الباب أمام إعادة تحديد ولاية البعثة ووسائلها وحتى الغاية النهائية من استمرارها.

وشكل غياب الجزائر عن التصويت، رغم عضويتها آنذاك كعضو غير دائم في مجلس الأمن، مؤشرا إضافيا على اتساع عزلتها أمام التحول الدولي الجاري.

ولم يأت تصريح والتز بمعزل عن سياق أمريكي آخذ في التبلور منذ أسابيع. ففي 20 مارس الماضي، كان قد أعلن خلال جلسة استماع بالكونغرس عن مراجعة استراتيجية للمينورسو ضمن إصلاح أشمل لعمليات حفظ السلام. وكان ذلك إيذانا واضحا برغبة واشنطن في الخروج من منطق إدارة الجمود، والانتقال إلى مقاربة تضغط في اتجاه حل سياسي فعلي.

وتزداد أهمية هذا التصريح بالنظر إلى توقيته، إذ يأتي بينما يستعد مجلس الأمن للعودة إلى ملف الصحراء مع نهاية شهر أبريل. فبرنامج العمل يتضمن موعدين حاسمين. الأول يوم 24 أبريل، حيث سيعقد المجلس مشاورات مغلقة بشأن المينورسو، مع إحاطتين من رئيس البعثة ألكسندر إيفانكو والمبعوث الشخصي للأمين العام ستافان دي ميستورا.

أما الثاني فسيكون يوم 30 أبريل، حين سيقدم الأمين العام أنطونيو غوتيريش المراجعة الاستراتيجية الخاصة بالمينورسو أمام أعضاء المجلس. وهذه المحطة مرشحة لإعادة رسم دور البعثة بشكل عميق، بما ينسجم مع التحولات السياسية الجديدة ومع الوقائع التي فرضتها التطورات الميدانية والدبلوماسية.

وقبل ذلك، كانت الولايات المتحدة قد كثفت بشكل واضح انخراطها الدبلوماسي في هذا الملف خلال الأشهر الماضية. فزيارة وفد من جبهة البوليساريو إلى واشنطن يوم 22 يناير عكست رغبة أمريكية في فتح قنوات حوار مباشرة مع مختلف الأطراف، لكن ضمن إعادة ضبط لشروط النقاش نفسها. وبعدها بأيام، وتحديدا في 26 يناير، حملت زيارة مسعد بولس إلى الجزائر ولقاؤه بالرئيس عبد المجيد تبون ووزير الخارجية أحمد عطاف دلالة سياسية قوية، تمثلت في تثبيت الاعتراف الأمريكي بالدور المركزي للجزائر في النزاع.

وفي الاتجاه نفسه، شكل الاجتماع الذي عقد بداية فبراير في مدريد تقدما مهما، لأنه أعاد إحياء صيغة الحوار التي كانت متوقفة منذ 2019، بعدما جمع وفودا من المغرب والجزائر وموريتانيا والبوليساريو، تحت الرئاسة المشتركة لستافان دي ميستورا ومايك والتز ومسعد بولس. وبهذا المسار، وُضعت الجزائر أمام مسؤولياتها بشكل أكثر وضوحا، وأصبح من الصعب عليها الاستمرار في تقديم نفسها باعتبارها مجرد مراقب خارجي.

ومن خلال كل ذلك، تبدو الاستراتيجية الأمريكية أكثر تماسكا وتنظيما. فهي تقوم على فرض إطار تفاوضي مركزه الحكم الذاتي المغربي، وفي الوقت نفسه إعادة تكييف الأدوات الأممية حتى تنسجم مع هذا الهدف. وقد ساهم العرض المفصل الذي قدمه المغرب بشأن مخطط الحكم الذاتي خلال تلك الاجتماعات، ثم استمرار المناقشات في واشنطن يومي 23 و24 فبراير، في تعزيز صورة هذا المقترح باعتباره عرضا عمليا قابلا للتنزيل.

ضمن هذا السياق، يبدو تصريح مايك والتز بمثابة عنصر تسريع لمسار كان قد بدأ بالفعل، لكنه بات الآن أكثر وضوحا وأكثر صرامة. فربط تجديد ولاية المينورسو باتجاه سياسي محدد يعني أن النقاش داخل مجلس الأمن لم يعد يدور فقط حول الإبقاء على بعثة أممية من عدمه، بل حول طبيعة الدور الذي ستؤديه، والمرجعية التي ستشتغل داخلها. ولذلك، تبدو المينورسو اليوم أمام لحظة فاصلة قد تعيد تعريف وجودها ووظيفتها في ملف الصحراء المغربية، بما يجعل ما قبل 30 أبريل مختلفا عما بعده.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى