الحقائق التي تدحض سردية المعطي المنجب وتكشف سقطة “فرانس24”

ليس كل من رفع صوته صار صاحب قضية، ولا كل من أتقن الشكوى استحق لقب الضحية. فثمة صنف آخر، أكثر مهارة وأشد خطرا، من يحول الوقائع إلى مادة خام، يعيد تشكيلها كما يشاء، ثم يخرج بها إلى العلن في هيئة قصة محكمة، لا ينقصها سوى الحقيقة.
في هذا المقام، لا يظهر المعطي منجب كطرف في ملف، بل كمؤلف لنص طويل، يعيد كتابته كلما تقادمت فصوله، ويبدل جمهوره دون أن يكلف نفسه عناء تغيير الحبكة. نفس الجمل، نفس الانفعالات، نفس التراكيب الثقيلة التي تلقى بثقة من حفظ النص جيدا، لا من عاشه.
وعلى مسرح فرانس 24، لا يناقش هذا النص، بل يعرض. بكل ما يلزم من إضاءة درامية وموسيقى خافتة، مثقف محاصر، حقوق منتهكة، ومسؤولون في الدولة يتهمهم دون أن يذكروا بالاسم لاضفاء بعض المصداقية. عرض متكامل، لا يزعجه سوى تفصيل صغير، أن الوقائع، حين تفحص خارج هذا الإخراج، تفقد نصف بريقها، وتستعيد حجمها الحقيقي.
غير أن منجب، وقد تمرس في فن التقاط اللحظة، لم يعد يكتفي بإعادة بث خطابه، بل صار يحسن توقيته. بعد قضية بوعلام صنصال، بدا واضحا أن الرجل لم ير في الحدث انتصارا لقضية، بل درسا في آليات الضغط. فجأة، لم تعد الجنسية الفرنسية تفصيلا عابرا، بل ورقة تستدعى بحذر، وتلوح من بعيد، دون أن تكشف بالكامل.
في حواره مع حميد المهداوي، طرح السؤال الذي يختصر كل شيء، فجاء الجواب غائبا. غياب لا يشي بالعجز، بل بالحساب. فالتصريح هنا قد يربك صورة المناضل النقي، بينما التلميح يظل أكثر فاعلية، وأكثر قابلية للاستثمار.
ثم تأتي لحظة السوربون، جامعة بانتيون السوربون، لا كواقعة سفر، بل كأداة سرد. فالرجل لا يمنع من الطائرة فقط، بل يمنع من منصة رمزية، من فضاء ثقافي يمنح القصة وزنا إضافيا. ليست زلة لغوية، بل اختيار محسوب، لأن الكلمات هنا لا تنقل الواقع، بل تعيد تصميمه.
وبالحديث عن مسألة العفو الملكي، فقد قدمت فرانس 24 معالجة غير منضبطة للمعطيات القانونية حين إعتبرت استمرار المنع من السفر وكأنه تناقض قانوني أو وضع استثنائي يثير الاستغراب، بينما المعطى القانوني أبسط وأكثر وضوحا العفو يتعلق بحكم نهائي صادر في ملف محدد، ولا يمتد إلى ملف آخر ما يزال مفتوحا يتعلق بشبهة تبييض الأموال.
هذا الفصل البديهي بين المسارين القضائيين تم تهميشه بالكامل داخل التغطية، لأن الإقرار به يغيّر زاوية القراءة من جذورها. فبدل عرض واقع قانوني عادي بطبيعته الإجرائية، تم دمج الملفين داخل سردية واحدة تنتج إيحاء بوجود وضع غير منطقي، في حين أن المنطق القانوني قائم على التمييز بين ما انتهى وما يزال جاريا.
هنا لا يتعلق الأمر بنقص في المعطيات، بل بطريقة اختيار ما يقال وما يترك جانبا، حيث تتحول الانتقائية إلى أداة لإعادة تشكيل الفهم، ويستبدل التفسير القانوني بإيحاء سردي أكثر قابلية للاستهلاك، لكنه أقل دقة.
وعليه فإن فرانس 24، حسمت موقعها بوضوح، لا كمنبر يفكك السرد، بل كقناة تضخمه. لا تسأل أين ينتهي القانون وأين تبدأ الرواية، بل تدمجهما في قالب واحد سهل الاستهلاك. لأن الصحافة التي لا تميز بين ملف منته وملف مفتوح، لا تخطئ في التفاصيل فقط، بل تتخلى عن وظيفتها بالكامل.
وهكذا يعاد إنتاج نفس المشهد، بطل يشتكي، إعلام يضخم، وجمهور يطلب منه أن يتعاطف. أما التفاصيل التي قد تربك هذا التوازن، فتقصى بهدوء، لأنها لا تصلح للعرض، ولا تنسجم مع الإيقاع.
في النهاية، لا يكمن الإشكال في أن المعطي منجب يتحدث كثيرا، بل في أنه يقول نفس الشيء بإصرار يشبه اليقين. ولا في أن الإعلام ينقل صوته، بل في أنه يفعل ذلك دون أن يسأل السؤال البسيط والمزعج، ماذا لو كانت القصة، بكل ما فيها من إخراج، أقل بكثير مما تبدو عليه.
ذلك أن الحقيقة، حين تكون صلبة، لا تحتاج إلى كل هذا الترتيب. وما يحتاج إلى كل هذا الإخراج، غالبا لا يكون واقعا، بل رواية تخشى أن تفحص.



