“الكلمة” كملاذ أخير: كيف يهرب المحتوى المفلس إلى اللغة (كاريكاتير)

منذ زمان الفيلسوف أرسطو، لم تكن الكلمة مجرد صوت، بل فعلا أخلاقيا. وبالوقوف عند تأملات نظيره نيتشه، يُصبح واضحا أن اللغة قد تتحول إلى قناع لإخفاء العجز لا إلى أداة لكشف الحقيقة. فبين هذين الحَدّين يمكن فهم ولادة قناة “الكلمة” على منصة اليوتوب: لا كمشروع فكري مستنير، بل كاستعارة لغوية تحاول إنقاذ ما لم يعد قابلا للإنقاذ، وكمحاولة أخيرة ينخرط فيها النصاب المتسلسل هشام جيراندو قبل مغادرة الميادين وفي جعبته صفر شعور بالندم.

في الظاهر، الاسم يُوحي بالمعنى. وفي العمق، يفضح غيابه. فكما نبّه نيتشه، أخطر أشكال الانحطاط ليس الكذب الصريح، بل تضخيم الكلمات حين تُفرغ من محتواها. حين تُستدعى المفاهيم الكبرى لتغطية فراغ الفكرة، تصبح اللغة نفسها شاهدا على الإفلاس.

قناة “تجني” العدمية التي وضعت نصب أعينها المغرب ورجالاته كهدف وجب إسقاطه بأي ثمن، لم تتآكل لأنها واجهت “السلطة” أو كسرت الصمت، بل أكلت نفسها لأنها استهلكت خطاب الصدام “الباطل” دون أن تُنتج معرفة حقة يتمخض عنها واقع إيجابي بالمملكة. كانت، بتعبير الفيلسوف فوكو، مجرد ممارسة للخطاب من أجل حيازة السلطة الرمزية، لا من أجل الحقيقة. وحين يفقد الخطاب علاقته بالحقيقة، لا يعود رأيا، بل يتحول إلى هوس وحاجة ملحة لإدارة الواقع من الكواليس.

إن اختيار جرو كندا لاسم “الكلمة” هنا ليس مراجعة نقدية، بل استيلاء رمزي عليها. فالكلمة، في معناها المتجرد من كافة أشكال التحيز أو المحاباة، هي التزام بالحقيقة قبل أن تكون أداة تعبير. ومن لم يلتزم بها في الماضي، لن يستعيدها بتغيير المسميات. اللغة لا تُعيد الشرعية، بل تختبرها.

أما الحديث عن “مرحلة جديدة”، فلا يعدو أن يكون، بلغة عالم الاجتماع الألماني يورغن هابرماس، سوى إعادة إنتاج للتواصل المشوه: توقيع خطاب يدعي العقلانية، بينما يقوم على الإيذاء اللفظي، وهو ما نستدل عليه اليوم بأولى فيديوهات الهارب من العدالة المغربية، والمُمَوه للعدالة الكندية على قناته الجديدة، حينما انبرى يجلد جدوى كرة القدم كحقل رياضي ادعى وقوفه سدا منيعا أمام المطالب الخبزية والاجتماعية للمغاربة.

جيراندو من حيث يدري ويعي جيدا يدعي الحوار الرصين، بينما يُمارس الإملاء كما هي عادته. فلا حوار بلا اعتراف، ولا معنى بلا مساءلة، ولا بداية بلا قطيعة حقيقية مع ما سبق من تجاوزات في حق الوطن والمؤسسة الملكية والشعب ثم المسؤولين. وما عدا الأمر فهو فقط زوبعة خامدة في فنجان يُراد للمشاهدين تجرع مرارتها بأعين مُعصبة وعقول شاردة.

وفي المحصلة، ما يبصم عليه خادم الكابرانات الوفي ليس تحولا فكريا، بل مناورة دلالية. محاولة لتجميل الفشل عبر المُفردة وتخفيف وطأته عبر البلاغة. غير أن المفاهيم، حين تُستعمل خارج سياقها الأخلاقي تنقلب على مستعمليها. الكلمة التي لا تُقال بصدق، تتحول إلى عبء. وبالتالي، كان بودنا أن نبارك للرجل ازديان فراشه بمولود جديد، لكنه ولد مُشوه الملامح ومبتور القدمين. لذا نسأل العلي القدير أن يُلهمه القدرة على التكيف والتأثير “المزعوم” رغم “الإعاقة”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى