سراب “نهاية العهد”.. عندما يتحول القلم إلى خادم مطيع لـ”عُقدة” ابن العم!

في عالم الصحافة، عندما يُفلس الكاتب ويُجافيه الواقع، فإنه لا يجد أمامه سوى اللجوء إلى خزانة الأرشيف ليعيد تدوير أوهام قديمة، علّها تُسعفه في بيع الوهم لمن يشتهي شراءه. من يقرأ الكتيب الأخير لعمر بروكسي، الذي يحمل العنوان الاستفزازي البائس “المغرب: نهاية عهد”، سيدرك من الصفحات الأولى أنه ليس أمام تحقيق استقصائي ولا أمام تحليل سياسي رصين، بل نحن ببساطة أمام “بولييتك-فيكسيون” (سياسة خيالية)، ونسخة رديئة ومستنسخة بالمقلوب لكتيب صدر سنة 2002 لجان بيير توكوا بعنوان “الملك الأخير: غسق سلالة”. ربع قرن مر على ذلك “الغسق” المزعوم، وظل المغرب ساطعا، بينما غرق أصحاب النبوءات الكاذبة في عتمة نسيانهم.
القصة وما فيها، أن بروكسي لم يعد صحافيا منذ زمن بعيد، بل تحول إلى مجرد صدى لجهة تأبى أن تتصالح مع التاريخ.
متلازمة غوبلز و”وهم الحقيقة”
لمن يقرأ ما بين السطور، فإن الخروج الإعلامي الأخير لبروكسي عبر صحيفة “L’Express” الفرنسية يكشف حجم الإفلاس. إجاباته لم تكن سوى “ببغاويات” مملة (déjà vu, déjà lu, déjà écouté)، لا جديد فيها يعتد به. الرجل يطبق بحذافيرها إستراتيجية متهالكة في علم النفس السياسي تُعرف بـ”وهم الحقيقة”، وهي ذات المدرسة التضليلية التي أسس لها جوزيف غوبلز، وزير الدعاية النازي: “اكذب، ثم اكذب، ثم اكذب حتى يصدقك الناس”.
هذه الكذبة تتجسد اليوم في أسطوانة مشروخة اسمها “صراع الأجنحة الأمنية في المغرب”.
يعتقد بروكسي ومن يقف خلفه، أن تكرار هذه الكذبة سيجعلها حقيقة، وأن استهداف المؤسسات التي تحفظ استقرار الدولة، هي الطريق الأقصر لخلط الأوراق.
المايسترو الخفي و”أمير” التناقضات:
لكن، دعونا لا نكون سُذجا. هل ينطق بروكسي عن الهوى؟ وهل اختار توقيت خروجه الإعلامي صدفة؟ في السياسة، الصدفة خطيئة. حوار بروكسي مع الصحيفة الفرنسية جاء متزامنا مع زيارة قادت “المايسترو الخفي” إلى فرنسا؛ ذلك “القريب” الغاضب، الذي طالما استهواه لعب أدوار البطولة الموهومة، والذي وجد نفسه مؤخرا في باريس لحضور إحدى منافسات ركوب الخيل. خروج بروكسي جاء بعد 48 ساعة فقط من نشر صحيفة “Libération” الفرنسية لمقال خُصص لهذا “الأمير رغما عنه”.
هنا تسقط الأقنعة. ففي هذا المقال، نطق صاحبنا بلسان يقطر استعلاءً ونرجسية لا حدود لها، معتبرا أن باريس باتت “في جيبه” وأنها ليست سوى “ضاحية من ضواحي الرباط”. ولم يقف عند هذا الحد من الغرور، بل ادعى أنه يفضل الكتابة بالإنجليزية رغم إتقانه للفرنسية، شاكيا بلهجة المظلومية من “sabotage” إعلامي فرضه عليه الرئيس الراحل جاك شيراك الذي منع موظفي الإليزيه من التواصل معه، قبل أن يرفع إيمانويل ماكرون هذا الحظر المزعوم!
لكن الاعتراف الأخطر، والذي يعكس الحالة النفسية المعقدة لهذا “الظل المتمرد”، هو ما صرح به لـ”ليبراسيون” حين استشهد بأغنية فرقة الروك الأمريكية (Eagles) الشهيرة “فندق كاليفورنيا” (Hotel California) ليصف علاقته بالمؤسسة الملكية: “يمكنك المغادرة متى شئت، لكنك لن تستطيع الرحيل أبدا”. هي حالة سكيزوفرينيا سياسية محضة، نلخصها في الدارجة المغربية بعبارة بليغة وقاطعة: “يخ منو… وعيني فيه”. يدّعي نبذ النظام، لكنه مهووس به حتى النخاع.
خطة “الشرخ” أو طريق السمسرة المعبد:
ما الغاية من كل هذا الضجيج المفتعل انطلاقا من فرنسا، التي يعتبرها هؤلاء “مركز ثقل” للتشويش على المغرب؟ الهدف مكشوف: الترويج لكذبة صراع الأجنحة الأمنية غايته إحداث شرخ (fissure) وهمي في اللحمة الصلبة للدولة، تمهيدا للاستفراد برأس الدولة. هكذا، تنطلق الآلة الدعائية –التي دشنها “صاحبنا” بنفسه في حوار مع El Confidencial الإسبانية خريف 2025– للطعن في ذمة الجالس على العرش، واستهداف صلاحياته السيادية، والترويج بوقاحة لمزاعم حول الصحة والغياب، وصولا إلى القفز في الهواء والحديث عن انتقال مبكر للعرش.
لقد تخلى بروكسي عن شرف المهنة، ليصبح مجرد “Brouxénète” (بروكسينيت Proxénète/ قواد إعلامي ) سمسار تضليلي يخدم أجندات سيده الذي يدفع الحساب ويوجه بوصلة الحقد من وراء ستار.
القافلة تسير…:
في النهاية، لا الكتيب سيحدث زلزالا، ولا التصريحات البهلوانية في فرنسا ستغير من واقع المغرب شيئا. المملكة اليوم تتجاوز هذه الترهات بأشواط؛ تبني دولتها الاجتماعية، وتعزز تموقعها الإقليمي والدولي، وتتجه بثبات نحو المستقبل.
التاريخ علمنا أن الأنظمة العريقة لا تسقط بمقالات كيدية ولا بكتب تُكتب تحت الطلب. ما ينتهي حقا في هذا المشهد البائس، ليس عهد المغرب، بل مصداقية صحافي باع قلمه في سوق النخاسة، وعقلية أمير أراد أن يصنع من أوهامه حصانا يمتطيه نحو المجد، فإذا به يكتشف، بعد ربع قرن من الركض في المكان، أنه لم يغادر “ضواحي” خيبته أبدا، و أنه محتاج لجرعة من “الكامون” للتنفيس عن أمعاءه المقبوضة بفعل الحسد و الغل و الغيرة.



