الإعلام الفرنسي ينخرط في حملة “مسعورة” جديدة ضد المغرب

في الأسابيع الأخيرة، تكاثرت المؤشرات التي توحي بأن المغرب يواجه موجة إعلامية فرنسية غير بريئة في توقيتها ولا في مضامينها، إذ أن الأمر لم يعد يتعلق بتغطيات معزولة أو انتقادات ظرفية و إنما بسلسلة متكاملة من الرسائل المسمومة، توزع نشرها بين الصحافة المكتوبة، القنوات التلفزية، والبرامج الوثائقية و هو ما يمكن اعتباره إعادة تشكيل صورة سلبية للمملكة المغربية داخل الرأي العام الفرنسي.

هذا التحرك المشبوه يأتي في سياق تعرف فيه العلاقات المغربية الفرنسية تطوراً واضحاً و أكثر إيجابية أكدته زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى المملكة نهاية أكتوبر 2024 واعترافه التاريخي بمغربية الصحراء أمام أعضاء البرلمان.

أولى بوادر هذه الحملة انطلقت حينما خصصت صحف فرنسية مثل ” لوموند” حيزاً لافتاً لمقالات تنتقد المؤسسة الملكية، مركزة على شخص الملك محمد السادس بطريقة تحمل أكثر من دلالة سياسية، وهو التوجه الذي لا يمكن فصله عن حدث آخر مشابه وهو صدور كتب حديثة تنبش في ملفات حساسة، من بينها قضية المهدي بنبركة، حيث يُعاد تقديم أحداث تاريخية معقدة بقراءات انتقائية تُغذي الشكوك وتمس بصورة المغرب في الخارج.

في السياق ذاته، برزت إشارات رمزية لا تقل دلالة، من بينها قيام قناة “فرانس 24” بعرض خريطة المغرب مبتورة من أقاليمه الجنوبية، وهو تصرف لا يمكن اعتباره مجرد خطأ تقني بسيط بالنظر إلى حساسية القضية.

زيادة على ذلك، لم تدخر الصحافة في باريس جهدا في استغلال أحداث نهائي كأس أمم إفريقيا بين المغرب والسنغال للسخرية من المملكة، في خطاب رياضي خرج عن إطاره المهني إلى نبرة تهكمية تحمل أبعاداً سياسية مبطنة.

اللافت أكثر هو انزعاج بعض المنابر الرياضية بدورها من التقدم اللافت للمغرب على المستوى تصنيف “الفيفا”، حيث يحتل المركز الثامن عالمياً وهو إنجاز غير مسبوق، غير أن بعض هذه الوسائل مثل صحيفة “ليكيب” اختارت الاكتفاء بنشر ترتيب “أفضل 7 منتخبات”، في تجاهل واضح للمنتخب المغربي، و هو السلوك الذي يطرح تساؤلات عن النوايا المبيتة للإعلام الفرنسي.

ولم يتوقف الأمر عند استحضار الماضي فحسب، بل امتد إلى إحياء ملفات ولّى عليها الزمن عبر برنامج وثائقي بُثّ عبر قناة فرانس 5 تحت عنوان « Je t’aime moi non plus. France-Maroc » ، والذي ركز على النبش في قضية “بيغاسوس”، بالرجوع إلى مزاعم تجسس المغرب على الرئيس إيمانويل ماكرون إلى جانب مسؤولين فرنسيين، دون تقديم معطيات جديدة حاسمة، وهي محاولة واضحة لإبقاء هذا الملف حياً في الذاكرة الجماعية، رغم طابعه الجدلي و غياب الأدلة القاطعة.

كما تم تسليط الضوء بشكل مكثف في هذا البرنامج على قضايا فردية، مثل اعتقال الصحفي هشام المنصوري، مع تقديمها في سياق يفتقر إلى التوازن، ويغيب عنه عرض وجهة النظر الرسمية أو الخلفيات القانونية الكاملة، وهو الأمر نفسه الذي ينطبق على إعادة تسليط الضوء على ملف محاولة استدعاء المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني عبد اللطيف حموشي في فرنسا سنة 2014، والذي أُعيد تداوله إعلامياً رغم أن فرنسا نفسها اعترفت بخطئها الذي لم تحترم فيه الأعراف الدبلوماسية وذلك بتوشيح صدر حموشي بوسام الشرف سنة بعد ذلك.

ومن جملة الأسباب التي قد تكون دافعا للخطاب الإعلامي العدائي الذي تتبناه فرنسا ضد المغرب، نجاح المملكة في توسيع نفوذها داخل إفريقيا وسحب البساط من الحضور الفرنسي التقليدي في عدد من الدول بالقارة السمراء ناهيك عن المكانة التي يتبوأها المغرب على الصعيد العالمي كشريك أمني و استراتيجي لعدد من القوى العظمى مثل الولايات المتحدة الأمريكية و بريطانيا.

من جانب آخر، لا يمكن عد هذه الحملة الإعلامية “الشرسة” بمعزل عن توجيهات من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خصوصا مع الاجتماعات الدورية التي يعقدها سراً بين الحين و الآخر مع عدد من مسؤولي الصحف الفرنسية لتبني خطاب موحّد حول السياسة الخارجية لفرنسا.

و على ما يبدو فإن «الدولة العميقة» في فرنسا لها دور مؤثر وفعّال في تغذية هذه الحملات “القذرة” سواء بطرق مباشرة أو غير مباشرة، حيث تظهر أحياناً للمتابع أنها معارضة لتوجهات الحكومة الرسمية، وأحياناً أخرى منسجمة معها في إطار غير معلن، لكن النتيجة غالباً ما تكون واحدة: إضعاف الجهود الدبلوماسية للمغرب وعرقلة بناء الثقة بينه و بين الدول الكبرى، عبر تقويض الجسور التي يسعى المسؤولين المغاربة إلى ترسيخها.

في المحصلة، يبدو أن البوصلة التي توجهها الآلة الإعلامية الفرنسية تجاه بلادنا و هوسها الكبير بالمملكة سواء كانت بتعليمات من “الإليزيه” أم لا، تستدعي المزيد من اليقظة حتى لا يتم الانجرار وراء أجندات سياسية انتقائية تسعى لضرب صورة المغرب قاريا و دوليا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى