كان 2025..المغرب وأكذوبة الأخوة الإفريقية

ثمة لحظات في تاريخ الأمم لا يقاس فيها الحدث بما جرى فوق الملاعب، بل بما انكشف في النفوس. وكان تنظيم المغرب لكأس إفريقيا للأمم واحدة من تلك اللحظات الكاشفة، حيث سقط القناع عن وجوه كثيرة، وتبدّى أن النجاح، حين يصدر عن المغرب، لا يستقبل بالتصفيق، بل بالارتياب، ولا يقرأ كإنجاز، بل كاستفزاز.
لم يقدم المغرب نفسه وصيا على القارة، ولم يطلب وساما من أحد. فعل ما تفعله الدول التي تعرف وزنها اشتغل، أنجز، وفتح أبوابه لإفريقيا دون منّة ولا ضجيج. غير أن هذا السلوك، الذي يفترض أن يكون عاديا، تحول في أعين البعض إلى خطيئة غير مغفورة، لأن المغرب لم يفشل كما كان متوقعا، ولم يتعثر كما كان مأمولا.
وهنا يبدأ الألم الحقيقي فليس كل خصم عدوا، وليس كل من سمى نفسه أخا صادقا. والتاريخ، كما القرآن، علمنا أن أشد الطعنات لا تأتي من المواجهة، بل من الخلف. يوسف عليه السلام لم يُؤذَ لأنه أخطأ، بل لأنه تميز. لم يُلق في الجب بسبب ضعف، بل بسبب فضل لم يحتمله أقرب الناس إليه.
وهكذا بدا المشهد هنا المغرب في موقع متقدم، ثابت، واثق، فيما انشغلت بعض العواصم بعد خطواته، لا لمجاراة المسار، بل للتقليل من قيمته. تحول النقد إلى غمز، والغمز إلى تشكيك، والتشكيك إلى محاولة يائسة لإقناع الرأي العام بأن التفوق خلل، وأن الإتقان خروج عن الصف.
وما أشبه هذا المنطق بقول إخوة يوسف اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا ليس لأن يوسف خطر، بل لأن وجوده فضح هشاشتهم.
لقد آلمهم أن يرى العالم إفريقيا تدار بعقل الدولة لا بعقل الفوضى، وأن تقدم البطولة في صورة الانضباط لا الارتجال، وأن ينظم الحدث بلا صراخ ولا استعطاف. آلمهم أن ينجح المغرب دون أن يستأذن، وأن يتقدم دون أن يلتفت لمن اعتادوا جره إلى الخلف.
والأدهى من الخصومة الصريحة، هو ذلك النوع من الأخوة التي لا تفرح لك، لكنها لا تجرؤ على معاداتك علنا. أخوة تصفق بيد، وتكتب باليد الأخرى ما يكفي لتسميم المعنى. أخوة لا تريدك ساقطا، بل فقط… أقل مما أنت عليه وعليهم.
المغرب وقد خبر هذا الدرس طويلا، لا ينفعل، يعرف أن السم لا يقتل من يملك مناعة التاريخ، وأن الكلمات، مهما بلغت حدتها، تبقى أضعف من الوقائع. فهو، مثل يوسف، لم يحتج إلى تبرئة نفسه، لأن الزمن تولى ذلك.
وفي اللحظة التي ظن فيها البعض أن التشويش سينال من الصورة، كانت الصورة قد اكتملت. لا صراخ، لا شكاية، لا خطاب انتقامي. فقط دولة تمضي، تعرف أن المكانة لا تطلب، وأن الريادة لا تبرر.
وسيأتي يوم، كما أتى في قصة يوسف، يدرك فيه الجميع أن المشكلة لم تكن في من إزدهر، بل في من لم يستطع اللحاق. وحينها، لن يقول المغرب كثيرا. فالدول الكبيرة لا تكثر من الشرح، لأنها تعرف أن الحقيقة لا تحتاج إلى محام.



