العالم الإسلامي بين العسكرة والعمامة: قراءة تحليلية في نموذجي الجزائر وإيران

يشهد العالم الإسلامي منذ منتصف القرن العشرين أزمة مركبة تتجاوز الاختلافات الشكلية بين الدولة العسكرية والدولة الدينية، لتكشف عن مأزق أعمق في إنتاج الشرعية السياسية. تمثل تجارب كل من الجزائر وإيران نموذجين متوازيين لهذا المأزق: النموذج الجزائري قائم على الهيمنة العسكرية، والنموذج الإيراني على السيطرة الدينية المدعومة بالقوة، إلا أن كلاهما يتقاطعان في جوهر واحد، وهو استخدام الدولة كأداة لضبط المجتمع وتقييد المشاركة السياسية باسم الشرعية، سواء الثورية أو الدينية.

لقد تأسست دولة الجزائر الحديثة في سياق حرب الاستقلال، الذي لم يكن مجرد صراع ضد الاستعمار الفرنسي، بل شكل عملية انصهار “قسرية” للنخبة السياسية في بوتقة المؤسسة العسكرية، الحارس الفعلي للدولة والفاصل بين الاستقرار السياسي والانهيار.

وقد رسخ انقلاب هواري بومدين يوم 19 يونيو عام 1965 هذه الهيمنة، حيث أظهر أن الجيش لم يكن فقط حاميا للأمن، بل صانعا للشرعية السياسية من خلال فرضه الإكراه على المؤسسات المدنية. وبرهنت التدخلات اللاحقة، لاسيما إلغاء فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ في انتخابات التسعينيات وما تلاها من العشرية السوداء، أن كل الادعاءات بالشرعية الشعبية والديمقراطية في هذا السياق لم تكن سوى واجهات ملغومة تُخفي هيمنة مؤسسة واحدة على مقاليد الحكم والسلطة.

في المقابل، شكلت الثورة الإيرانية نموذج “حربائي” لتوظيف الدين كمحرك للهيمنة السياسية، إذ تحول روح الله الخميني والمرشد الأعلى “المقبور” علي خامنئي إلى قمة السلطة السياسية بصفتهما فقهاء، فيما يشكل الحرس الثوري الإيراني الذراع التنفيذي لتثبيت هذه الهيمنة.

وهكذا تحولت الثورة الإسلامية إلى مشروع سلطوي مزدوج، يجمع بين الاستقواء بالعمامة والقوة العسكرية، ليصبح ادعاء ”الشرعية الإسلامية” مجرد ستار يُخفي احتكار المؤسسة الدينية للسلطة السياسية والاقتصادية وتحويل الدولة إلى أداة تسيطر على المجتمع وتُوجه المؤسسات التمثيلية وفق مصالحها الخاصة.

يرتبط هذا الطرح المشار إليه أعلاه ارتباط مباشر بالصراع الإقليمي الدائرة رحاه حاليا في الشرق الأوسط، حيث يبرز الصدام بين إيران من جهة، والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة أخرى، كامتداد لمنطق الهيمنة ذاته، إذ تستخدم إيران القوة العسكرية والدينية لتوسيع نفوذها الإقليمي في العراق وسوريا ولبنان واليمن، بينما تستثمر ادعاء الشرعية الدينية لتبرير تحركاتها.

وكما لا يخفى على عاقل وغير عاقل، هذا الصراع ليس مجرد مواجهة بين دول، بل هو استكمال لنفس المنطق الداخلي الذي يحكم سياسات الدولة، حيث تصبح القوة أداة مركزية لفرض الرؤية السياسية وتوسيع النفوذ تحت ستار المشروع “النووي الإسلامي” الذي قد ينقلب إلى حرب عالمية ثالثة.

من هنا، يتضح أن النموذجين الجزائري والإيراني يشتركان في جوهرهما أكثر مما يختلفان، إذ تقوم كل دولة على مؤسسة فوق الدولة تُعد الحارس النهائي للسلطة: الجيش في الجزائر، والمرشد والحرس الثوري في إيران. وتبقى الانتخابات والمؤسسات التمثيلية مجرد واجهات رمزية، تعمل ضمن حدود مرسومة بعناية مسبقا لتمنع أي تهديد للنظام الهيكلي للمؤسسات المسيطرة.

إن هذا النمط من الحكم يعكس أزمة حقيقية في العالم الإسلامي: أزمة إنتاج شرعية سياسية حقيقية، بدلا من شرعية مزيفة تستمد قوتها من سادية “العساكر” أو “تشيع” أصحاب العمائم، ويكشف هشاشة هذه الدول أمام تحديات الداخل والخارج على حد سواء.

وبالتالي، تكمن المعضلة الحقيقية في أن يحكم العسكر أو الفقهاء، لأن كلا النموذجين يقوم على فرض وصاية على المجتمع باسم الشرعية المطلقة، ويُحوّل الدولة إلى أداة لضبط المجتمع والحفاظ على مصالح المؤسسة المهيمنة، بغض النظر عن إرادة المواطنين أو تطلعاتهم السياسية.

ويطرح الصراع الإقليمي الحالي في الشرق الأوسط، الذي تتصدره إيران في مواجهتها مع أمريكا وإسرائيل، انعكاسا لهذه المعادلة نفسها: القوة والسلطة تُستخدمان لتبرير الهيمنة والتوسع، بينما يبقى المجتمع حبيسا لسياسات إيديولوجية بعيدا عن المشاركة الفعلية في صناعة السلطة وتحديد شرعيتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى