هل نقرأ تحقيقا أم رواية “مبتذلة؟.. داخل صناعة صورة ملك في الصحافة الفرنسية

يقدّم كتاب «Le roman d’un roi» للصحفيين الفرنسيين Christophe Ayad وFrédéric Bobin صورة مركّبة عن المؤسسة الملكية بالمغرب، تتمحور حول شخصية الملك محمد السادس. غير أن الإشكال الأساسي في هذا العمل لا يكمن في موضوعه، بل في منطق اشتغاله: إذ يبدو أقرب إلى “رواية سياسية” تُراكم الانطباعات منه إلى تحقيق صحفي قائم على التحقق الصارم وتعدد الأدلة.
في هذا السياق، يدفعنا المُؤلف لطرح سؤالا أعمق من مادته: أين ينتهي التحقيق الصحفي وأين تبدأ الرواية التخيلية حين يتعلق الأمر بموضوع شديد الحساسية مثل السلطة؟
أولا: من التحقيق إلى إعادة تدوير السرديات الجاهزة
أول ما يلفت الانتباه في الكتاب هو أنه لا يقدم اكتشافات جديدة بقدر ما يعيد ترتيب مادة صحفية وأدبية سابقة حول المغرب. معظم الموضوعات التي يعالجها، بدءا من بنية القصر إلى الثروة والنفوذ وصولا إلى العلاقات الداخلية سبق تداولها في الصحافة الفرنسية منذ سنوات طويلة.
لكن الجديد هنا ليس في “المعلومة”، بل في “طريقة تركيبها”: إذ تُجمع الوقائع المتفرقة في بناء سردي واحد يوحي بوجود منطق خفي شامل، دون تقديم أدلة إضافية كافية لإثبات هذا الترابط. وهكذا يتحول التراكم الإعلامي إلى ما يشبه “نظرية تفسيرية جاهزة”، أكثر منه تحقيقا يفتح أسئلة جديدة.
ثانيا: إشكالية المصدر الغائب… حين يصبح الغموض منهجا
يعتمد صاحبا الكتاب اللذان يشتغلان لصالح الصحيفة الفرنسية لوموند، بشكل واسع على مصادر مجهولة أو غير قابلة للتحديد، تُقدَّم بصيغ عامة مثل “مقرب من القصر” أو “شخص مطلع”. ورغم أن حماية المصادر في بعض الملفات أمر مشروع، إلا أن تحويل هذا الاستثناء إلى قاعدة لبناء “سرديات في الهواء” يضعف البنية الحجاجية للنص.
المشكلة ليست في وجود مصادر مجهولة، بل في غياب آليات التحقق المتبادل بينها، وغياب التوثيق الذي يسمح للقارئ بفهم موقعها ودوافعها وحدود معرفتها. في هذه الحالة، يتحول النص من تحقيق صحفي إلى شبكة من الشهادات غير القابلة للاختبار.
ويبرز هذا الخلل بشكل خاص في المقاطع المتعلقة بصحة جلالة الملك، حيث تُطرح فرضيات طبية متعددة ومتعارضة دون سند طبي موثق، في مقابل اعتماد واسع على تأويل صور عامة أو مقاطع إعلامية.
ثالثا: الصحافة السردية وحدود التأويل السياسي
بُتي نسق الكتاب على منطق “الصحافة السردية” التي تعتمد على بناء المشهد أكثر من تقديم الدليل. فبدلا من تحليل مؤسساتي بارد، يتم تقديم صور متتابعة لشخصية الملك: نمط حياته، ظهوره العام، علاقاته وحضوره الرمزي داخل الدولة.
غير أن هذا الأسلوب، حين يُمارس دون ضبط منهجي صارم، قد يتحول إلى أداة لإنتاج المعنى بدل اكتشافه. أي أن الكاتبان الناقمان على المغرب لا يكتفيان بنقل الوقائع، بل يفرضان عليها إطارا تفسيريا مسبقا يجعل القارئ يميل تلقائيا إلى شم رائحة قراءة سياسية معينة حتى في غياب دليل حاسم.
رابعا: بين الرأي والمعلومة… تآكل المسافة النقدية
من الإشكالات المركزية في الكتاب تداخل الرأي مع الخبر. فبعض الشخصيات تُقدَّم كمصادر تحليلية، دون تفكيك واضح لموقعها السياسي أو خلفياتها الخاصة، مثل الأمير الأزرق هشام، الذي يُستحضر كصوت تفسيري دون مساءلة كافية لسياقه العلاقاتي مع المؤسسة الملكية.
هذا التداخل يُنتج إشكالا منهجيا: إذ تختفي الحدود بين الشهادة والتحليل، وبين المعلومة والانطباع، مما يضعف القدرة على تقييم مصداقية المادة المعروضة.
خامسا: إعادة تدوير المعرفة بدل إنتاج المعرفة الجديدة
أحد أبرز نتائج هذا الإنتاج “الفرنسي” الغير موفق أنه لا يضيف معطيات حاسمة بقدر ما يعيد تدوير ما هو متداول في الإعلام والكتابات السابقة. فالملفات الكبرى التي يتناولها—من بنية السلطة إلى الثروة والعلاقات الداخلية—تُعرض في شكل سرد مُعاد صياغته لغويا، دون تحقيق اختراق بحثي جديد.
وهنا يظهر الفرق بين الصحافة الاستقصائية الحقيقية التي تكشف المستور، وبين الصحافة “المتحاملة” التي تعيد ترتيب المعلوم بطريقة أكثر درامية.
سادسا: حين يملأ الفراغ السردي خطاب الخارج
يكشف الكتاب، بشكل غير مباشر، عن خلل أعمق في الفضاء الإعلامي: غياب سردية مؤسساتية متماسكة قادرة على تقديم قراءة مستمرة ومقنعة للمجتمع الدولي حول التحولات السياسية في المغرب. هذا الفراغ يسمح بتكاثر القراءات الخارجية، حتى حين تكون مبنية على شظايا معلومات أو روايات غير مكتملة.
لكن هذا المعطى لا يبرر في المقابل تحويل الشكوك إلى بنية تفسيرية شبه مكتملة، أو تقديم الانطباع بوصفه بديلا عن الدليل.
سابعا: بين سلطة الرواية وسلطة الحقيقة
في نهاية المطاف، لا يمكن قراءة «رواية ملك» باعتباره تحقيقا صحفي تقليديا، بل كنص هجين يقع بين الصحافة والأدب السياسي. فهو يُراهن على بناء أثر سردي فوري، لكنه يظل محدودا من حيث الإنتاج المعرفي الصارم.
أما الملك محمد السادس، فيظل في هذا النص أكثر حضورا بوصفه “شخصية سردية” منه بوصفه موضوعا لتحليل مؤسساتي دقيق. وبين قوة الرواية وضعف الدليل، يظل القارئ أمام سؤال أساسي: هل نحن أمام كشف صحفي أم أمام إعادة تشكيل للشك في قالب أدبي؟



