معطيات واتصالات موثقة تضع هشام جيراندو في صلب المسؤولية المعنوية في واقعة وفاة الشاب عمر

تتواصل الأسئلة حول الخلفيات المحيطة بواقعة وفاة الشاب عمر بمقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، في ظل معطيات جديدة تعيد تسليط الضوء على طبيعة العلاقة التي كانت تربطه بهشام جيراندو، وعلى الدور الذي لعبته هذه الصلة في تغذية روايات وادعاءات جرى توظيفها لاحقا في الفضاء الرقمي بشكل مكثف. وإذا كانت المسؤولية الجنائية تبقى من اختصاص القضاء وحده، فإن تتابع الوقائع يطرح، على الأقل، مسألة المسؤولية المعنوية والأخلاقية في هذه القضية.

وبينما سارع جيراندو إلى نفي أي علاقة له بالشاب الراحل، فإن تسلسل الوقائع والمعطيات المتداولة يضع هذا النفي أمام أسئلة محرجة، خصوصا في ضوء وجود تواصل سابق بين الطرفين، وتبني جيراندو السريع لمزاعم مصدرها الشاب عمر، دون ما يكفي من تحقق أو تدقيق أو مسافة مهنية تفرضها خطورة الادعاءات المنشورة.

وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن أول تواصل بين الشاب عمر وهشام جيراندو يعود إلى 26 يناير 2026، وهي الفترة التي كان جيراندو يعرض فيها رقم هاتفه عبر صفحة “تحدي” على مواقع التواصل الاجتماعي، في سياق البحث عن مصادر جديدة للتسريبات والمعطيات التي اعتاد توظيفها في محتوى التشهير والاتهام. ووفق هذه المعطيات، فإن عمر بادر إلى التواصل مع جيراندو، قبل أن يبادر هذا الأخير في اليوم نفسه إلى نشر تدوينة يتبنى فيها ادعاءات مرتبطة بعميدة شرطة كانت قد أشرفت على البحث في ملف سبق أن ارتبط باسم الشاب عمر.

اللافت في هذه المرحلة أن جيراندو، بحسب المعطيات نفسها، لم يكتف بتلقي ما وصله، بل نشر مضمونا يتقاطع بشكل واضح مع ما ورد في شكاية كان قد تقدم بها الشاب عمر، خاصة ما تعلق بمزاعم التفتيش دون إذن وغيرها من الادعاءات التي ظهرت لاحقا باعتبارها جزءا من رواية أحادية الجانب. وهذا التطابق الزمني والمضموني لا يمكن فصله بسهولة عن طبيعة الصلة التي نشأت بين الطرفين، ولا عن الدور الذي لعبه هذا التواصل في نقل تلك الادعاءات من المجال الخاص إلى التداول العلني الواسع.

وتزداد أهمية هذا المعطى مع عنصر ثان يتعلق باتصال جديد قيل إنه جرى بين الطرفين في منتصف فبراير 2026، وتحديدا يوم 16 فبراير، حين تم تداول مزاعم بشأن توقيف عميدة الشرطة المعنية. ووفق هذا التسلسل، فإن الإشاعة انطلقت من معطيات نقلها الشاب عمر إلى جيراندو، قبل أن يعمد هذا الأخير إلى نشرها دون تثبت، رغم أنها سرعان ما تبينت كادعاء لا يستند إلى أساس صحيح.

وهنا تحديدا تبرز الإشكالية الأعمق في هذا الملف. فالقضية لا تتعلق فقط بوجود تواصل بين شخصين، بل بنمط من التفاعل قائم على استقبال رواية من طرف واحد، ثم إعادة ضخها إلى الرأي العام عبر منصات رقمية ذات تأثير، من دون تحقق مهني أو قانوني يوازي خطورة الاتهامات المنشورة. كما أن السياق الشخصي الذي أحاط بالشاب عمر، وخاصة توتر علاقته بعميدة الشرطة التي باشرت إجراءات قانونية في حقه في ملف ذي طابع جنائي، يجعل من هذه المعطيات أكثر حساسية، لأنها تكشف كيف جرى تحويل خصومة مشحونة إلى مادة رقمية للتشهير والاستهداف.

وفي هذا المستوى بالذات، تطرح مسألة المسؤولية المعنوية نفسها. فحين يتحول شخص يوجد في وضع نفسي وقانوني معقد إلى مصدر متكرر للمعطيات غير المتحقق منها، ثم يجد من يتلقف روايته ويمنحها انتشارا واسعا دون تدقيق، فإن الأمر لا يعود مجرد نقل محايد للمعلومات، بل يصبح مساهمة فعلية في تأجيج مناخ التوتر والتصعيد. وقد لا يكون هذا كافيا لبناء توصيف قانوني جاهز، لكنه يكفي على الأقل لطرح سؤال أخلاقي جدي حول حدود ما يمكن اعتباره مشاركة غير مباشرة في صناعة المناخ الذي سبق الواقعة.

ولا تقف خطورة هذا السلوك عند حدود إعادة نشر المزاعم فقط، بل تمتد أيضا إلى طبيعة اللغة المستعملة في الاستهداف. ذلك أن المعطيات المتداولة تشير إلى أن عميدة الشرطة لم تكن موضوع اتهامات غير مثبتة فحسب، بل تعرضت أيضا لأوصاف مهينة وحاطة بالكرامة تحمل دلالات تمييزية على أساس الجنس، وهو ما يضع هذا الخطاب في دائرة العنف الرقمي ضد النساء، ويمنح القضية بعدا إضافيا يتجاوز مجرد الخلاف الشخصي أو السجال الإعلامي.

كما أن الإصرار على نفي العلاقة بشكل مطلق، رغم وجود معطيات عن التواصل وتبني الرواية ونشر الإشاعات المرتبطة بها، يجعل هذا النفي نفسه جزءا من الجدل القائم، لا خاتمة له. فالمشكلة ليست فقط في ما إذا كان جيراندو يعرف الشاب عمر أو لا، بل في طبيعة هذا التعاطي، وفي الطريقة التي جرى بها استثمار ما كان يرسله هذا الأخير ضمن حملة تشهيرية أوسع استهدفت موظفة عمومية بعينها.

في المحصلة، فإن ما تكشفه هذه المعطيات لا يقف عند حدود وجود معرفة بين الشاب عمر وهشام جيراندو، بل يتجاوز ذلك إلى إبراز تسلسل زمني واضح يوحي بوجود تواصل فعلي، وتلقف مباشر للادعاءات، وتوظيف سريع لها في حملات رقمية اتسمت بغياب التحقق والتصعيد اللفظي. ومن هنا تحديدا يبرز الحديث عن المسؤولية المعنوية، لا باعتبارها حكما قضائيا جاهزا، بل باعتبارها خلاصات أولية يفرضها منطق الوقائع وترابطها.

وإذا كانت الحقيقة القضائية الكاملة تظل رهينة بما قد تكشفه التحقيقات والمعطيات الرسمية، فإن الثابت إلى حدود الآن هو أن هذه الوقائع أعادت فتح ملف المسؤولية الرقمية والأخلاقية في قضايا بالغة الحساسية، وأظهرت مرة أخرى كيف يمكن للمنصات العابرة للحدود أن تتحول إلى فضاء لتغذية الخصومات الشخصية وتوسيع آثارها، من دون اعتبار كاف للعواقب الإنسانية والقانونية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى