المغرب الكروي.. ابن المفاجأة أم ابن النهضة !!

ليست كل المباريات سواء، كما ليست كل الانتصارات من جنس واحد. فثمة مباريات تنتهي بصافرة الحكم، وثمة أخرى تبدأ عندها الحكاية. والمواجهة التي جمعت المنتخب المغربي بنظيره البرازيلي برسم مونديال 2026 لم تكن مجرد صفحة في سجل بطولة عالمية، بل بدت وكأنها سطر جديد في كتاب أمة قررت أن تخرج من هامش التاريخ إلى متنه، ومن مقاعد المتفرجين إلى منصة الفاعلين.
في أرض الولايات المتحدة الأمريكية، وتحت أنظار العالم، لم يكن المغرب يلعب مباراة كرة قدم فحسب، بل كان يعرض حصيلة سنوات من العمل الصامت، والإرادة الصلبة، والرؤية التي آمنت بأن الأحلام الواعدة للأمم تزن ذهبا، لأنها تملك القدرة على تحويل الأحلام إلى مؤسسات، والطموحات إلى حقائق، والآمال إلى وقائع تتحدث عن نفسها.
وأمام البرازيل، الاسم الذي طالما اقترن بأساطير الساحرة المستديرة وأمجادها، وقف المغرب شامخا لا يستعير ثقته من أحد، ولا يستجدي اعترافا من أحد. فقد مضى الزمن الذي كانت فيه المنتخبات العربية والإفريقية تدخل ملاعب الكبار وهي محملة بأعباء الرهبة وثقل التاريخ. أما المغرب الجديد فقد دخل الملعب مسلحا بيقين مختلف؛ يقين من يعرف أن القيمة الحقيقية للأمم لا تُمنح لها، بل تنتزعها انتزاعا بالعمل والكفاءة والاستحقاق.
لقد كان في أداء “أسود الأطلس” ما يشبه البيان الحضاري. انضباط في الحركة، وهدوء في القرار، وثقة لا ضجيج فيها. وكأن المنتخب لم يكن يواجه البرازيل وحدها، بل كان يواجه أيضا تلك الصور النمطية القديمة التي ظلت لعقود تحاول حصر سقف الطموح العربي والإفريقي في حدود المشاركة المشرفة.
لكن الأمم الحية لا تعترف بالسقوف لأنها مصنوعة من “زجاج” يستهل تكسيره بالإرادة الوطنية.
والمغرب، في السنوات الأخيرة، أثبت أنه من تلك الأمم التي لا تقبل أن تُعرَّف بحدود الآخرين، بل بحدود ما تستطيع أن تبلغه بإرادتها. ولذلك لم يعد ما يحققه المنتخب المغربي حدثا استثنائيا يثير الدهشة بقدر ما أصبح نتيجة منطقية لمسار طويل من البناء والتخطيط والاستثمار في الإنسان.
إن المتأمل في التجربة المغربية يدرك سريعا أن ما يحدث في الملاعب ليس سوى انعكاس لما يحدث خارجها. فحين تتوافر الرؤية، وتنضبط المؤسسات، وتتجذر ثقافة الإنجاز، يصبح النجاح قابلا للتكرار، وتتحول الاستثناءات إلى قاعدة. وهنا تحديدا تكمن قوة النموذج المغربي؛ فهو لا يعيش على وهج لحظة عابرة، بل يتحرك وفق منطق التراكم الذي تصنع به الأمم الكبيرة مكانتها.
ولعل أجمل ما في هذا الصعود أنه جاء هادئا وعلى مراحل، بلا صخب ولا ادعاء. المغرب لم يرفع صوته ليعلن أنه أصبح رقما صعبا في كرة القدم العالمية؛ بل ترك للملاعب أن تتحدث عنه، ولخبراء الميدان أن يَدلوا بدلوهم في نضجه الكروي، وللنتائج أن تشهد له، ولخصومه أن يعترفوا – على مضض – بما أصبح حقيقة لا جدال فيها.
واليوم، بينما تتواصل منافسات كأس العالم، لا يبدو المنتخب المغربي مجرد منافس يسعى إلى عبور دور إضافي أو تحقيق إنجاز جديد. إنه يتقلد على عاتقه قصة وطن بأكمله؛ وطن أدرك أن المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع. وأن المجد ليس هبة من التاريخ، بل ثمرة من ثمار العمل الدؤوب.
ومن هنا فإن السؤال لم يعد: إلى أي دور سيصل المغرب في هذا المونديال؟ ذاك سؤال تقني يجيب عنه المستطيل الأخضر. أما السؤال الأعمق فهو: ماذا يعني أن يصبح المغرب قادرا على الوقوف ندا للبرازيل ولغيرها من كبار اللعبة، جيلا بعد جيل؟
إنه يعني أن مشروعا وطنيا قد بلغ مرحلة النضج والقِطَاف. ويعني أن الثقة بالنفس تحولت من شعار إلى ممارسة. ويعني قبل كل شيء أن أمة كانت تؤمن بإمكانية الصعود أصبحت تعيشها واقعا.
هكذا تُصنع التحولات الكبرى. لا بضجيج الخطابات، ولا ببلاغة الشعارات، بل بتلك اللحظات النادرة التي يلتقي فيها الحلم بالإرادة، ويلتقي فيها الطموح بالعمل، فتولد حقيقة جديدة. وحقيقة المغرب اليوم أنه لم يعد يطرق أبواب الكبار. لقد أصبح واحدا منهم بفضل أقدامه الذهبية أمثال أيوب بوعدي وآخرون.
وللحكاية بقية وللانتصارات القلوب راجية والهمة عالية !!



