الإعلام الفرنسي.. أداة بائسة لتصدير أزمات باريس نحو الرباط

صار الخطاب الإعلامي الفرنسي تجاه المغرب يتسم بنوع من التحامل الممنهج وازدواجية المعايير، حيث تحولت العديد من المنصات والقنوات إلى أدوات تتبنى مقاربات غير موضوعية تفتقر إلى النزاهة المهنية، وهي محاولة مكشوفة لتصدير الأزمة الداخلية الخانقة و المتسمة بالتوتر نحو محيطها الإقليمي خصوصا بعد الاحتجاجات الشعبية التي تغزو الشوارع الفرنسية منذ شتنبر الماضي.
وتتجلى هذه الممارسات الدنيئة التي تزاولها الصحافة الفرنسية في الإصرار على تضخيم القضايا المحلية المغربية، وتوظيف ملفات حقوق الإنسان وحرية التعبير كأوراق ضغط سياسية، مع تعمد الإفتاء في الحيثيات القانونية والقضائية للمملكة رغبة في تشويه صورة النموذج التنموي والاستقراري للمغرب.
ولنأخذ على سبيل المثال قناة BFM TV التي عادت للنبش في قضية رسام الكاريكاتير المغربي ياسر مونبير، حيث أصر هذا المنبر الإعلامي تقديمه كضحية للتضييق على حرية التعبير مع التركيز على ربط توقيفه مباشرة بطبيعة رسومه الساخرة و استهدافاً مباشراً للمبدعين وأصحاب الرأي.
القناة الفرنسية و في تغطيتها لهذا الحدث حاولت بانتقائية خبيثة توظيف تقارير المنظمات الدولية ومواقفها الحقوقية لتصوير الاعتقال كتراجع في هوامش التعبير الحر بالمملكة، ساعية بذلك إلى تدويل القضية والضغط على المؤسسات السيادية و الضرب في الصورة الحقوقية للمغرب دولياً عبر إلباس المخالفات الجنائية لباسا سياسياً.
ما غاب عن البوق الفرنسي أن سبب توقيف ومتابعة وإدانة ياسر مونبير يعود بالأساس إلى ارتكاب أفعال تقع تحت طائلة التشهير وإهانة مؤسسات دستورية عبر وسائل إلكترونية، وهي أفعال يجرمها القانون الجنائي المغربي وبالضبط الفصل 179 المتعلق بحماية شخص الملك وولي العهد من أي اعتداء لفظي أو مساس بالاعتبار الشخصي، كما أن المقاربة القانونية في هذا السياق لا تصنف ضمن خانة حرية الصحافة والتعبير، نظراً لأن المحتوى المنشور تجاوز حدود النقد البنّاء والإبداع الفني بالوقوع في مستنقع الإساءة الشخصية والتشهير بالمؤسسات، وهو ما يخرجه من نطاق الحماية الدستورية المؤطرة لحرية الرأي والتعبير ليرتقي إلى فعل جرمي يستوجب المحاسبة القضائية حمايةً للنظام العام ورداً للاعتبار الشخصي للأفراد والمؤسسات.
هذا السلوك الغير اللائق من طرف الإعلام الفرنسي ليس الأول من نوعه، بل سبق أن تطرقت صحافة “الإيليزيه” في عز الحراك الطلابي الذي غزا مدنها إلى احتجاجات “جيل زد 212” وتدوير البوصلة صوب هذا الملف الذي طواه المغرب قبل سنة، وهو ما يوضح أن الأمر يتعلق بحملة مسعورة أطلقتها الدولة العميقة الفرنسية مستعينة بوسائل إعلامها قصد توجيه أنظار الرأي العام المحلي وتشتيت انتباهه عن الفشل في السيطرة على الاحتجاجات وضبطها.
ختاما، فإن التعاطي الإعلامي الفرنسي مع قضايا المغرب يكشف عن سقوط متكرر في فخ عدم الموضوعية والتحيز الفج تحولت معه الرسالة الإعلامية من واجب نقل الحقائق بمهنية إلى أداة لتوجيه الرأي العام، كما أن هذا الإصرار على تبني نظرة استعلائية وتزييف الوقائع القضائية لتصويرها كمعارك حقوقية، يعري رغبة دفينة لدى فرنسا في توظيف ملفات خارجية للتغطية على الأزمات البنيوية ومواراة النسق التصاعدي للاحتجاجات.




