بن قردان تغلي بعد فاجعة الهجرة.. 12 قتيلا ومفقودان ومواجهات مع الأمن وسط احتقان متصاعد في تونس

شهدت مدينة بن قردان جنوب شرقي تونس، مساء الأحد وليلة الأحد-الإثنين، ليلة ثانية من الاحتجاجات والمواجهات بين عشرات المحتجين وقوات الأمن، على خلفية غرق مركب للهجرة غير النظامية كان يقل 15 تونسياً في طريقهم نحو السواحل الإيطالية، في فاجعة تحولت سريعاً من مأساة إنسانية إلى موجة غضب في المدينة الحدودية.

وأغلق محتجون عدداً من الطرق وسط بن قردان وأشعلوا الإطارات المطاطية، بينما شهدت بعض المناطق مواجهات مع قوات الشرطة، تخللها رشق سيارات أمنية بالحجارة، قبل أن تستخدم قوات الأمن قنابل الغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين. وجاء تجدد المواجهات لليوم الثاني على التوالي بعدما بدأت التحركات مساء السبت، بالتزامن مع تصاعد الغضب بشأن مصير ركاب المركب وسير عمليات البحث عن المفقودين.

وبحسب أحدث تحديث للحرس الوطني التونسي، ارتفعت حصيلة الجثامين المنتشلة إلى 12، فيما لا يزال شخصان في عداد المفقودين، ولم ينج من ركاب المركب الخمسة عشر سوى شخص واحد. وتشارك في عمليات البحث وحدات من الحرس البحري والديوانة البحرية والحماية المدنية والجيش، إلى جانب مروحيتين تابعتين للحرس الوطني والقوات المسلحة.

وكان المركب قد غادر سواحل جنوب شرقي تونس خلال نهاية الأسبوع في محاولة للوصول إلى إيطاليا، قبل أن يغرق في عرض البحر. وتمكن الناجي الوحيد من البقاء نحو 48 ساعة في البحر قبل أن تعثر عليه سفينة تجارية وتنقذه، في وقت استمرت فيه عمليات التمشيط وانتشال الجثامين تباعاً على مدى اليومين التاليين.

وزادت هوية ركاب المركب من وقع المأساة على بن قردان. ووفق معطيات نقلها رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان مصطفى عبد الكبير، كان بين الركاب سبعة أفراد من عائلة واحدة، إلى جانب رجل وزوجته الحامل، فيما ينحدر معظم ركاب المركب من منطقة بن قردان. وهي معطيات حولت الحادث إلى فاجعة جماعية مست عدداً من عائلات المدينة في وقت واحد.

وبدأت الاحتجاجات أساساً بالمطالبة بتسريع عمليات البحث وعدم وقفها قبل تحديد مصير جميع المفقودين، غير أن التحركات اتسعت لتشمل مطالب اجتماعية واقتصادية أقدم، تتعلق بالتشغيل والتنمية وتحريك الاستثمار في المدينة. وأفادت تقارير محلية بأن المحتجين ربطوا لجوء شباب المنطقة إلى قوارب الهجرة بتراجع الفرص الاقتصادية وصعوبة الأوضاع المعيشية، في مدينة ظل جزء مهم من نشاطها مرتبطاً بالتجارة والحركة الاقتصادية على الحدود مع ليبيا.

وتعيد الفاجعة ملف الهجرة غير النظامية للتونسيين إلى الواجهة رغم التراجع الكبير الذي سجلته محاولات الوصول إلى إيطاليا انطلاقاً من السواحل التونسية خلال السنوات الأخيرة. غير أن مشاهد بن قردان أظهرت أن انخفاض أعداد القوارب لا يلغي الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع تونسيين إلى المجازفة بالعبور عبر وسط البحر المتوسط، المصنف من بين أكثر مسارات الهجرة خطورة في العالم.

وتأتي أحداث بن قردان في ظرف اجتماعي شديد التوتر في تونس. فقد سجل المرصد الاجتماعي التونسي خلال يوليو 2026 ما مجموعه 1101 تحرك احتجاجي، وهي أعلى حصيلة للشهر نفسه خلال عشر سنوات، مقابل 357 تحركاً فقط في يوليو من العام الماضي. وتصدر انقطاع الماء والكهرباء دوافع الاحتجاج، بـ373 تحركاً بسبب الماء و305 بسبب الكهرباء، بما يعني أن أكثر من ستة احتجاجات من كل عشرة ارتبطت مباشرة بالخدمات الأساسية وظروف الحياة اليومية.

ويتقاطع هذا الاحتقان الاجتماعي مع تصاعد الاعتراض السياسي على حكم الرئيس قيس سعيّد. فقبل ثلاثة أيام فقط من مواجهات بن قردان، خرج مئات المحتجين في العاصمة تونس مطالبين برحيل سعيّد واستعادة المسار الديمقراطي والإفراج عن معارضين ونشطاء وصحفيين معتقلين، بالتوازي مع احتجاجات أخرى شهدتها مناطق مختلفة بسبب الماء والكهرباء وتدهور الخدمات. ولا تجعل هذه التحركات من فاجعة بن قردان احتجاجاً سياسياً مباشراً ضد الرئيس، لكنها تضعها داخل مناخ تونسي أوسع تتراكم فيه الأزمات الاجتماعية والاقتصادية مع اعتراض متزايد على طريقة إدارة السلطة للبلاد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى