خطاب العرش في مواجهة صناعة اليأس وسيكولوجية الإحباط.. رسائل ملكية ترسخ الثقة في الدولة ومؤسساتها

جاء خطاب العرش برسالة ملكية قوية في مواجهة واحدة من أخطر الظواهر التي تستهدف المجتمعات من الداخل: تحويل الصعوبات إلى يأس دائم، والنقائص إلى حكم شامل بالفشل، والنقد إلى آلة متواصلة لصناعة السخط وتبخيس كل ما تحقق. فقد وضع جلالة الملك محمد السادس الاعتزاز بالمكاسب والتفاؤل بالمستقبل في صلب المرحلة المقبلة، مع التأكيد أن هذه الثقة لا تقوم على الرضا المريح أو تجاهل الاختلالات، وإنما تستند إلى مسار واضح من العمل والتراكم والقدرة على التصحيح.

قال جلالة الملك محمد السادس: «واليوم، ومن خلال إلقاء نظرة على ما حققناه سويا، يخالجني مزيج من مشاعر الاعتزاز بالمكاسب المحققة، والتفاؤل بالمستقبل». ثم حرص جلالته على ضبط معنى هذا الاعتزاز حتى لا يتحول إلى قراءة احتفالية مغلقة، موضحا أن الأمر لا يتعلق بـ«مجرد إحساس بالرضا عن الذات»، وإنما بـ«شعور إيجابي بالثقة والطمأنينة، يعطينا القوة والحافز على مواصلة الجهود».

هنا تكمن إحدى أهم رسائل الخطاب. فالثقة التي دعا إليها جلالة الملك محمد السادس ليست شعارا عاطفيا، وإنما طاقة سياسية واجتماعية ضرورية لكي تواصل الدولة والمجتمع العمل. الدول لا تتقدم تحت وطأة خطاب يقنع مواطنيها بأن كل شيء منهار، وأن كل إنجاز وهم، وأن المستقبل مغلق سلفا. كما أنها لا تحمي تماسكها عندما يتحول النقاش العمومي إلى منافسة في تضخيم الإخفاقات، واجتزاء الوقائع، وصناعة الانطباع بأن البلاد تدور في حلقة من العجز الدائم.

وقد قطع الخطاب الطريق على القراءة التي تضع الثقة في مواجهة النقد. فجلالة الملك محمد السادس أدرج «النقد الذاتي البناء» ضمن مذهب الحكم الذي صنع المكاسب، إلى جانب المبادرة والمتابعة الدقيقة والتطلع إلى المستقبل. وقال جلالته: «فكل ما تحقق لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة توجه استراتيجي واضح، ومذهب في الحكم، يقوم على المبادرة والمتابعة الدقيقة، والنقد الذاتي البناء، والتطلع إلى المستقبل، بكل عزم وروح إيجابية».

الفاصل هنا واضح بين النقد الذي يكشف الخلل من أجل إصلاحه، والخطاب الذي يستثمر في الخلل من أجل نشر العجز النفسي والشك في كل شيء. الأول جزء من قوة الدولة وقدرتها على المراجعة، أما الثاني فيشتغل على كسر الثقة بين المواطن والمؤسسات، وتحويل التحديات الطبيعية في كل مسار تنموي إلى مادة لنسف المسار بأكمله. ومن هذا المنطلق، جاءت العبارة الملكية مباشرة وحاسمة: «إننا نعيش اليوم، مرحلة فاصلة في المسار التنموي ببلادنا، حيث يجب أن تسود روح الثقة والتفاؤل، على خطابات اليأس والإحباط».

لم يكن الحديث عن اليأس والإحباط منفصلا عن الوقائع التي يستند إليها التفاؤل. فقد وضع جلالة الملك محمد السادس الأمن والاستقرار ونجاعة مؤسسات الدولة في مقدمة ما يحق للمغاربة الاعتزاز به. وقال جلالته: «وإن أكثر ما يبعث على الفخر والاعتزاز، هو ما ينعم به المغرب من أمن واستقرار، وما يتميز به عمل مؤسسات الدولة من نجاعة وفعالية».

وتكتسب هذه الرسالة قوتها من السياق الذي يعيش فيه العالم. فالأمن الذي قد يبدو اعتياديا في الحياة اليومية أصبح مفقودا في دول كثيرة، والاستقرار السياسي والمؤسسي الذي يسمح بالتخطيط والاستثمار واستمرار المشاريع تحول إلى امتياز استراتيجي نادر. لذلك أكد جلالة الملك محمد السادس أن «الاستقرار السياسي والمؤسسي عملة نادرة، لا تقدر بأي ثمن»، وأنه «العامل الأساسي في معادلة التنمية، وهو الرأسمال الاستراتيجي الذي يعتز به المغرب».

بهذا التوصيف، أعاد الخطاب ترتيب الأولويات داخل النقاش العمومي. فالتنمية لا تنمو في فراغ، والمشاريع لا تتقدم وسط الفوضى، والاستثمار لا يستقر في دولة تتنازعها المؤسسات أو يتعطل فيها القرار. الأمن والاستقرار ليسا عنوانين منفصلين عن الاقتصاد والعدالة الاجتماعية، وإنما القاعدة التي تمنح الدولة القدرة على التخطيط والتنفيذ والتراكم وحماية ما يتحقق.

كما ربط جلالة الملك محمد السادس هذه القدرة بطبيعة الدولة المغربية وعمقها التاريخي، قائلا: «إن المغرب دولة عريقة، تستمد قوتها من تقاليدها الراسخة، كدولة – أمة، تقوم فيها المؤسسات بدورها، في إطار من الانسجام والتكامل». فهذا الانسجام لا يلغي اختلاف الاختصاصات والمسؤوليات، لكنه يمنع تشتت القرار ويمنح الدولة النجاعة الضرورية «لمواصلة الإنجازات، ورفع التحديات، رغم الصعوبات والإكراهات».

وهنا تظهر المسافة بين صورة المغرب كما تقدمها الوقائع، والصورة القاتمة التي يحاول صناع السخط تثبيتها في الوعي العام. فخطاب التيئيس يتعمد غالبا إسقاط عناصر الاستقرار والاستمرارية والنجاعة من الحساب، ويقيس الدولة فقط بما لم تنجزه بعد، متجاهلا ما تحقق وما تم تحصينه وما تملكه البلاد من قدرة على التقدم. إنه خطاب لا يناقش السياسات بقدر ما يصنع مزاجا عاما من العدمية، حيث يصبح كل نجاح ناقصا، وكل تقدم مشبوها، وكل أفق مغلقا.

خطاب العرش لم ينكر الصعوبات ولم يمنح حصانة لأي تقصير. لكنه وضع معيارا أكثر اتزانا وصرامة: الاعتراف بالمكاسب، ممارسة النقد الذاتي البناء، وحماية الثقة الضرورية لمواصلة العمل. فالدولة الواثقة لا تخشى النقد، والمجتمع الواثق لا يسمح بتحويل النقد إلى دعوة للاستسلام، والمسار الجاد لا يتوقف عند العقبات ولا ينكرها.

إنها رسالة تتجاوز الظرف السياسي المباشر إلى معركة أعمق حول وعي المجتمع بنفسه وبمؤسساته. جلالة الملك محمد السادس دعا المغاربة إلى رؤية ما يملكونه من أمن واستقرار ودولة راسخة ومؤسسات منسجمة، وإلى التعامل مع المستقبل بعقل الإصلاح لا بمنطق الهدم، وبإرادة التقدم لا بسيكولوجية الإحباط. ففي المرحلة الفاصلة التي تحدث عنها الخطاب، تصبح الثقة مسؤولية وطنية، ويصبح تحصينها شرطا لمواصلة الإنجاز ورفع التحديات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى