أسرار وكواليس حملة “فوربيدن ستوريز” ضد المغرب.. الحلقة 2: هكذا فُبركت “الأدلة” لتثبيت اتهام باطل | تحقيقات القاسمي

قدمت «فوربيدن ستوريز» موسمها الثاني من ملف بيغاسوس باعتباره تحقيقا حاسما أنهى الجدل الذي بقي مفتوحا منذ سنة 2021.

هذه المرة، قالت الحملة إنها عرفت كيف وصل البرنامج إلى المغرب، ومن أدى ثمنه، وما الاسم الرمزي للحساب، وأين جرت العروض التقنية، ومن تولى الوساطة والتشغيل. ثم وسعت الاتهام إلى «ترسانة» تضم هواتف معدة مسبقا، ومقاهي إلكترونية مخترقة، وأجهزة لاعتراض الاتصالات، وبرامج للوصول إلى الكاميرات والهواتف وشبكات الإنترنت.

غير أن هذه الكثافة أخفت الفراغ نفسه الذي لازم الملف منذ البداية.

هنا يقع الفارق بين التحقيق وبين صناعة السردية. التحقيق الجاد يختبر فرضيته، ويبحث عما يؤيدها وما ينقضها، ويعدل خلاصته عندما لا تسندها الوقائع. حتى العقيدة المهنية للتحقيقات الجنائية تشدد على تتبع خطوط البحث التي تقود نحو المشتبه فيه وتلك التي تقود بعيدا عنه، لا انتقاء اتجاه واحد وإهمال الباقي. أما ما فعلته «فوربيدن ستوريز» وشركاؤها، فيقترب مما يسميه عالم النفس ريموند نيكرسون «التحيز التأكيدي»: البحث عن الأدلة وتفسيرها بطريقة انتقائية تدعم الاعتقاد الموجود مسبقا.

لهذا لم يعد السؤال داخل الحملة: هل فعلا استعمل المغرب بيغاسوس؟ بل أصبح: كيف نعيد ترتيب الصور والشهادات والوثائق القديمة حتى تبدو جوابا عن أمر تقرر سلفا؟

بعد خمسة أعوام من العمل، لا يوجد في المواد المنشورة عقد مع شركة NSO، ولا فاتورة لبيغاسوس، ولا تحويل مالي، ولا ترخيص تصدير يحدد مستخدما نهائيا مغربيا، ولا محضر لتسليم الخوادم، ولا حساب عميل مرتبط بالمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، ولا سجل تشغيل ينسب استهداف هاتف معين إلى موظف أو وحدة مغربية.

عوض ذلك، قُدمت قصة متماسكة ظاهريا، يحملها مصدر مجهول اسمه «سفير»، وتحيط بها وثائق تخص منتجا آخر، واسم رمزي لا تذكر وثيقته المغرب، وصور واجهة مصدرها بنما، وفرضية تمويل إماراتي أقرت الحملة بأنها لم تتمكن من التحقق منها. النتيجة كانت سردية مكتملة الحبكة، لكن سلسلة الإثبات ظلت غائبة تماما كما غابت سنة 2021.

«سفير».. مصدر مزعوم يتحول إلى بنية كاملة لتثبيت اتهامات جاهزة بلا أدلة

يظهر «سفير» في جميع أجزاء الحملة تقريبا. هو الذي يصف عروض بيغاسوس داخل فيلا في الرباط، ويحدد الأشخاص الذين حضروها، ويتعرف إلى الوسيط المفترض، ويشرح علاقة شركة FSSYS بالمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، وينسب تمويل البرنامج إلى الإمارات، ويكشف طريقة احتساب الإصابات والفواتير، ويحدد أسماء موظفين ووحدات، ثم يفسر الصور والهواتف والمقاهي الإلكترونية وعمليات المراقبة الميدانية.

حماية المصادر حق مهني لا خلاف حوله. لكن حماية الهوية لا تعني إعفاء الرواية من التحقق. ولا تكشف المواد المنشورة رتبة «سفير» أو وحدته أو اختصاصه، ولا طبيعة الموقع الذي أتاح له الاطلاع في الوقت نفسه على المشتريات السرية، والتشغيل التقني، والعمليات الميدانية، والعلاقات الخارجية، والفواتير، والأهداف رفيعة المستوى.

لم تنشر الحملة وثيقة مهنية واحدة تثبت مساره داخل جهاز DGST، أو مذكرة عمل، أو تكليفا، أو تقريرا داخليا يحمل رقما مرجعيا، أو سجلا يوضح طبيعة وصوله إلى المعلومات التي يرويها.

المشكلة الأعمق تكمن في طريقة استخدام شهادته. «سفير» يحدد أن بعض الأرقام تعود إلى موظفين شاركوا في تشغيل بيغاسوس، ثم تستخدم الحملة ظهور تلك الأرقام في قاعدة البيانات لإثبات صدقيته. وبعد تثبيت صدقيته بهذه المطابقة، تعود إلى كلامه لتفسير بقية الأرقام والوثائق.

هكذا يصبح المصدر هو الذي ينتج المعلومة ويفسرها ويمنحها معناها، ثم تستخدم النتيجة التي بناها لتأكيد موثوقيته. وتختفي من الوسط حلقة التحقق المستقل التي يفترض أن تفصل بين شهادة المصدر وخلاصة التحقيق.

تكشف الحملة بنفسها حدود هذه الآلية. فهي تقر بأنها لم تستطع التحقق مستقلا من اللقاءات التي زعم «سفير» أنها عُقدت مع الوسيط المفترض، كما تعترف بأنها لم تتمكن من إثبات أن المغرب حصل على بيغاسوس بتمويل إماراتي وعن طريق FSSYS. ومع ذلك، وضعت هاتين النقطتين في قلب قصة الاقتناء.

قصة عروض في “فيلا” وصفقة كبرى بلا وثيقة شراء واحدة

تروي الحملة أن موظفين في شركة NSO قدموا، أواخر سنة 2017، عروضا استمرت عشرة أيام داخل فيلا في الرباط. تصف إصابة الهواتف وتشغيل الكاميرا والميكروفون وسحب الرسائل والبيانات أمام مسؤولين مغاربة.

غير أن هذا المشهد التفصيلي يستند أساسا إلى مزاعم «سفير». لا تظهر أسماء المدربين القادمين من NSO، أو سجلات سفرهم، أو مراسلات تنظيم العرض، أو دعوات الحضور، أو برنامج التكوين، أو بيانات الأجهزة التي استخدمت خلال التجارب.

وحتى ثبوت تقديم عرض تقني لا يثبت إبرام صفقة. تجربة المنتج ليست عقدا، والعقد ليس دليلا على تشغيله، وتشغيله لا ينسب تلقائيا كل إصابة لاحقة إلى من حضر العرض.

بين تجربة مفترضة واستعمال واسع النطاق توجد مراحل يفترض أن تترك آثارا واضحة، مثل ترخيص التصدير، وشهادة المستخدم النهائي، والعقد، والفاتورة، وتركيب الخوادم، وتكوين المشغلين، وخدمات الصيانة والدعم.

لم تنشر الحملة أيا من ذلك. وعندما عجزت عن إظهار وثيقة الشراء، استعانت بأرشيف يعود إلى شركة وبرنامج مختلفين.

تسريبات قديمة (بدون وثائق) لبرنامج آخر لإثبات خرافة بيغاسوس

تستند الحملة إلى تسريبات شركة Hacking Team الإيطالية لإثبات علاقة سابقة بين شركة FSSYS وجهة مغربية حول برنامج Remote Control System، المعروف باسم RCS. وتضم التسريبات مراسلات وإشارات إلى مستخدم نهائي في المغرب، دون نشر وثيقة صحيحة تؤكد هذه المزاعم أو التسريبات. لكن هذه الأخيرة، في الأساس، تخص Hacking Team وRCS، ولا تخص NSO أو بيغاسوس.

بمعنى حتى قبولها كاملة لا يثبت سوى علاقة سابقة حول منتج آخر، بعقد آخر، وبنية تقنية وترخيص مختلفين. أما الربط بين الصفقتين، فقد صنعتها «فوربيدن ستوريز» بسردية مثيرة.

لم تنشر «فوربيدن ستوريز» عقدا لاحقا بين FSSYS وNSO لفائدة المغرب، أو فاتورة تخص بيغاسوس، أو رسالة تحدد المديرية مستخدما نهائيا، أو وثيقة تربط الصفقة الإيطالية القديمة بالبرنامج الإسرائيلي.

العلاقة السابقة لا تثبت المزاعم ولا يمكن تحويلها إلى جسر حتمي بين RCS وبيغاسوس ولا يعني استعمال قرينة على واقعة قديمة لتغطية غياب الدليل على واقعة أخرى.

الوسيط الغائب عن الوثائق

وضعت الحملة شخصا قدمته باسم «وسيم ف.» في مركز العلاقة المفترضة بين المغرب والإمارات وNSO. نسبت إليه تلقي تحديثات البرنامج، وإبلاغ الإماراتيين بعدد الإصابات لإعداد الفواتير، والتواصل بشأن أهداف رفيعة المستوى.

لكنها أقرت بأن اسمه لا يظهر في وثائق FSSYS المغربية التي اطلعت عليها. وعندما اتصلت به، نفى علمه بأي علاقة بين الشركة وDGST وبيغاسوس، وقال إنه كان موظفا عاديا.

ومع ذلك بقي الرجل حلقة محورية لأنه ورد في شهادة «سفير» ومصدر آخر. أي إن الشخص الذي يفترض أنه أدار التحديثات والفوترة والاتصال بالأهداف العليا لا يظهر في سجلات الصفقة المنشورة، وينفي المهمة، ولا تربطه الحملة ببيغاسوس إلا عبر شهادات مجهولة.

تمويل إماراتي مزعوم بلا فاتورة ولا أثر مالي

احتاجت الحملة إلى تفسير غياب أي دفعة مغربية لشركة NSO، فظهرت فرضية أن الإمارات اشترت البرنامج وسمحت للمغرب باستعماله.

لكن المادة الأصلية تقر بعدم التحقق المستقل من هذا التمويل. كما تنقل عن موظف سابق في NSO ومصدر آخر في صناعة المراقبة أنهما لا يعرفان أي أداء إماراتي لصالح المغرب.

مع ذلك، انتقلت الفرضية إلى صياغة تقريرية تقول إن الإمارات تكفلت بالتكلفة، بينما استخدمت المديرية البرنامج. ما ظل مجهولا لدى الجهة التي نسقت التحقيق أصبح حقيقة في المقالات التي نشرها شركاؤها وعلى رأسهم «إل كونفيدوسيال».

لا توجد فاتورة إماراتية، أو تحويل مصرفي، أو عقد يحدد المغرب مستفيدا، أو حساب مشترك، أو ترخيص يوضح كيف يمكن لدولة تشغيل برنامج اقتنته دولة أخرى.

ويتحول غياب الوثائق نفسه إلى دليل. يقول «سفير» إن الوسيط «لا يترك آثارا»، فتغدو هذه العبارة تفسيرا جاهزا لعدم العثور على أي أثر. وكلما اختفت الوثيقة، اعتبر اختفاؤها علامة على نجاح العملية في إخفائها. هذه فرضية لا يمكن اختبارها أو تفنيدها. وهي لذلك صالحة لصناعة سردية، لا لإقامة إثبات.

استعمال ملغوم لإسم شركة لم تكن موجودة زمن الصفقة المزعومة

استعملت الحملة الملكية الحالية لشركات الوساطة الإماراتية لتمنح فرضية التمويل طابعا حكوميا مباشرا. فقد أشارت إلى أن مجموعة «الفهد» دُمجت في «اعتماد»، التي استحوذت عليها لاحقا مجموعة EDGE المملوكة للحكومة الإماراتية.

لكن هذا الربط يتجاهل التسلسل الزمني الذي يهدم دلالته. مجموعة EDGE لم تنشأ إلا سنة 2019، ولم تستحوذ على «اعتماد» إلا في يوليوز 2023، بينما تعيد الحملة وقائع RCS إلى الفترة بين 2012 و2015، وتؤرخ عروض بيغاسوس المزعومة بسنة 2017. أي إن الشركة الوسيطة لم تكن تابعة لـEDGE خلال الوقائع التي تحاول الحملة ربطها بها.

الملكية الحالية لا يمكن استخدامها لإثبات من موّل أو أدار صفقة مفترضة قبل ست سنوات. إنها معلومة صحيحة عن بنية الشركات اليوم، لكنها وضعت بجوار وقائع قديمة حتى يبدو أن مجموعة دفاع حكومية إماراتية كانت حاضرة فيها منذ البداية.

الأمر نفسه ينطبق على اسم الملف «Op S6_Edge» الوارد في صور الهواتف. كلمة «Edge» هنا تحيل إلى طراز Samsung Galaxy S6 Edge، لا إلى المجموعة الإماراتية التي لم تكن قد تأسست بعد. تحويل هذا التشابه اللفظي إلى إيحاء مؤسسي مثال إضافي على صناعة الرابط داخل السردية بدل العثور عليه في الوثائق.

«مورغان».. اسم موجود ودليل علاقته بالمغرب مفقود

ظهر اسم «Morgan» في وثائق مرتبطة بالنزاع القضائي الأمريكي بين واتساب وNSO. وتقول الحملة إن الشركة كانت تستخدم أسماء علامات سيارات تبدأ بالحرف الأول من اسم الدولة العميلة، وإن «مورغان» هو الاسم الرمزي للمستخدم المغربي.

لكن الوثيقة لا تذكر المغرب ولا المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني. ولا تنشر الحملة جدولا داخليا يربط أسماء العملاء الرمزية بالدول، أو عقدا يجمع بين «Morgan» واسم جهة مغربية، أو شهادة مستخدم نهائي تحمل الاسمين.

الوثيقة تثبت وجود اسم رمزي. أما هوية صاحبه فتقوم على مصادر مجهولة وقاعدة تسمية غير منشورة.

وهنا يشتغل ما وصفه الباحث روبرت إنتمن بآلية «التأطير»: اختيار بعض جوانب الواقع وإبرازها بحيث تدفع القارئ نحو تعريف محدد للمشكلة وتفسير سببي بعينه.

الاسم الدقيق يمنح الاتهام مظهرا صلبا. لكن الدقة توجد في الكلمة «مورغان»، لا في الطريقة التي ربطتها بالمغرب. وما لم يظهر مفتاح المطابقة، يظل الاسم قرينة تحتاج إلى دليل، لا الدليل الذي يغلق القضية.

أدلة من بنما لا علاقة لها بالمغرب

نشرت الحملة صورا لواجهة بيغاسوس تظهر المكالمات والرسائل والمواقع وإمكان تشغيل الكاميرا والميكروفون. تمنح هذه الصور القارئ إحساسا بأنه يرى البرنامج الذي استعملته المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني. لكن الحملة تقول بنفسها إن الصور جاءت من بنما، فيما ظهرت صور أخرى ضمن القضية الأمريكية ضد NSO.

هذه المواد تثبت وجود بيغاسوس وقدراته، وقد توضح طريقة عمله لدى عملاء آخرين. لكنها لا تعرض حسابا مغربيا، أو خادما داخل المديرية، أو اسم مستخدم مغربيا، أو عملية منسوبة إلى جهة مغربية.

المعيار في الأدلة الرقمية ليس قوة الصورة البصرية، بل أصلها، وسلسلة حيازتها، وقابلية التحقق منها وإعادة فحصها. وهي مبادئ يضعها «بروتوكول بيركلي» للأمم المتحدة في صلب التحقيقات الرقمية المفتوحة.

في هذا الملف، الصورة صحيحة على الأرجح، لكن السياق المغربي أُضيف إليها. إنها تثبت المنصة، لا هوية المستخدم الذي تبحث عنه الحملة.

توظيف مشبوه لوثيقة استخباراتية فرنسية يُطلب من القارئ تصديقها من دون أن يراها

تقدم الحملة مذكرة منسوبة إلى المديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسي باعتبارها أقوى دعم رسمي لاتهامها. وتقول إن الوثيقة، المؤرخة في دجنبر 2022 والمضافة إلى الملف القضائي الفرنسي، تشير إلى أن المغرب والإمارات استعملا «منتجات تابعة لـNSO» منذ سنة 2017.

لكن العبارة المنقولة لا تقول إن البلدين استعملا بيغاسوس تحديدا، ولا تثبت أنهما شغلا حسابا مشتركا، ولا أن الإمارات مولت استخداما مغربيا، ولا تربط عملية بعينها بالمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني. كل هذه النتائج أضافتها الحملة إلى اقتباس عام يتحدث عن «منتجات NSO».

الأهم أن «فوربيدن ستوريز» لم تنشر الوثيقة نفسها. لم تعرض نسخة منها، أو صفحتها التي ورد فيها الاقتباس، أو سياق العبارة، أو مصادر التقدير الاستخباراتي ودرجة الثقة فيه. وهذا يطرح مفارقة يصعب تجاوزها.

الحملة نشرت عشرات الصور التي قالت إنها مأخوذة من ملفات داخلية للمديرية، رغم أن القارئ لا يستطيع التحقق من مصدرها أو سلسلة حيازتها، لكنها حجبت الوثيقة الرسمية الفرنسية التي يفترض أنها أكثر المواد أهمية وقابلية للفحص.

لقد طلبت من القارئ تصديق أن الصور مغربية لأنها تقول ذلك، ثم طلبت منه تصديق مضمون مذكرة فرنسية لأنه اقتُبس له سطر منها. وهكذا بقيت «الوثيقة الأقوى» خارج العرض، بينما استعمل مضمونها المختار لتثبيت نتيجة أوسع بكثير مما تقوله العبارة المنقولة.

من التعاون الأمني إلى سردية «الخيانة»

الأمر نفسه يتكرر في صور التدريبات مع الحرس المدني الإسباني. فالصور تثبت وجود تعاون أمني وزيارات وتمارين مشتركة في مجالات مختلفة. هذا التعاون جرى في سياق مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر والجريمة المنظمة. ومع ذلك، أعادت «إل كونفيدنسيال» تأطيره تحت عنوان «الخيانة»، وربطته بالتجسس على المدربين واستخدام مهاراتهم ضد الصحفيين.

لكن المادة نفسها تقر بأن المصدر المغربي لم يقدم وثيقة تثبت استخدام التقنيات التي نقلها الحرس المدني ضد صحفيين أو مدافعين عن حقوق الإنسان.

الصور تثبت الجزء المعروف: التعاون والتكوين. أما الجزء الذي منح المقال عنوانه، أي تحويل التدريب إلى قمع والتجسس على المدربين، فيبقى مبنيا على الشهادة.

حتى المسؤول الإسباني الذي تحدث عن «الخيانة» فعل ذلك بعد اطلاعه على خلاصات الصحفيين، لا استنادا إلى نتائج تحقيق رسمي مستقل. ثم استُعمل رد فعله داخل التقرير لإضفاء قوة مؤسسية على الخلاصات التي عُرضت عليه.

«الترسانة» التي كبرت كلما غاب الدليل

بعد قصة بيغاسوس، وسعت الحملة نطاقها إلى هواتف معدة مسبقا، واختراق مقاه إلكترونية، وأجهزة IMSI Catcher، وبرامج Hailstorm وNighthawk وCellebrite وEvident وReliant وEagle وFinSpy، ثم أضافت اتهامات لشركات الاتصالات.

لكن الأدلة لا تتساوى. بعضها صور، وبعضها شهادات، وبعضها مجرد شرح لقدرات المنتجات، وبعضها أمثلة من دول أخرى.

في ملف الهواتف، نشرت الحملة صور هاتف وعلبته وشخص قالت إنها تعرفت إليه، ثم نسبت إلى «سفير» أن عشرات الأجهزة زُرعت فيها برامج تجسس وبيعت لنشطاء. لا توجد فواتير شراء، أو أرقام تسلسلية، أو أسماء متاجر، أو تحليل للبرمجية المزروعة، أو خادم اتصلت به الهواتف.

وفي ملف المقاهي الإلكترونية، تظهر صورة محل وصفحات تصفح، لكن لا يظهر جهاز واحد خضع لتحليل تقني يثبت وجود RCS، ولا سجل خادم، ولا قائمة بالمقاهي المصابة.

أما أجهزة اعتراض الاتصالات، فتشرح المواد وظائفها وقدرتها على جمع معرّفات الهواتف أو محاكاة محطات الشبكة. غير أن شرح قدرة الأداة لا يثبت تشغيلها ضد شخص بعينه. إثبات العملية يحتاج إلى جهاز وتاريخ وموقع وسجل تشغيل وهوية للوحدة المنفذة.

تفاصيل كثيرة.. والدليل المركزي غائب

لم يكن الموسم الثاني فقيرا في التفاصيل. لقد قدم شخصيات وأسماء رمزية وصورا وخرائط ووثائق قديمة ومقتطفا استخباراتيا وقائمة طويلة من البرامج.

لكن التحقيق لا يقاس بعدد التفاصيل. بل يقاس بقدرة كل تفصيلة على إثبات النتيجة التي تحملها.

«سفير» هو الذي يجمع المواد ويمنحها تفسيرا واحدا. وثائق RCS تستعمل لإثبات صفقة بيغاسوس. وسيط لا يظهر في الوثائق وينفي دوره يبقى مركز الفوترة والتشغيل. تمويل إماراتي غير متحقق منه يتحول إلى حقيقة في منصة شريكة. اسم «مورغان» لا تذكر وثيقته المغرب. صور بنما تستخدم لتجسيد منصة مغربية غير معروضة. تدريبات أمنية موثقة تتحول إلى دليل على إساءة استعمال غير موثقة. وقدرات تقنية عامة تقدم بديلا عن سجلات العمليات.

الحملة تسقط لأن كل عنصر يُحمّل أكثر مما يثبت، ثم تجمع العناصر داخل سردية واحدة لتغطية غياب الرابط المباشر.

بعد خمس سنوات، لم تنشر «فوربيدن ستوريز» العقد، أو الفاتورة، أو ترخيص المستخدم النهائي، أو حساب العميل، أو الخادم، أو سجل التشغيل الذي يربط المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني ببيغاسوس.

لقد صنعت موسما جديدا من الاتهام، لكنها لم تقدم إلى يومنا هذا الدليل على صحة اتهاماتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى