مالي..هجمات خطيرة تعرّي البوليساريو وتضع النظام الجزائري في قفص الاتهام

تشهد جمهورية مالي واحدة من أكثر مراحلها الأمنية حساسية، بعد الهجمات المسلحة الأخيرة التي استهدفت مواقع حساسة داخل البلاد، في تطور خطير لم يكن مجرد حادث أمني عابر، بل رسالة سياسية مشفرة جاءت في توقيت لا يمكن عزله عن التحولات الدبلوماسية الأخيرة، وعلى رأسها الموقف المالي الداعم لمغربية الصحراء ولمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
فما إن أعلنت باماكو موقفها الواضح والمنسجم مع الشرعية التاريخية والواقعية السياسية، حتى تحركت قوى الفوضى المعتادة، وكأن الاعتراف بمغربية الصحراء استدعى فورا غرف العمليات التي لا تعيش إلا على التوتر والانقلابات والحرائق الإقليمية. الهجمات التي تلت هذا القرار مباشرة تطرح أكثر من سؤال، وتقدم أكثر من جواب في الآن نفسه.
مصادر متعددة تحدثت عن تورط عناصر مرتبطة بجبهة البوليساريو في هذه العمليات، وهو أمر إن ثبت رسميا فلن يكون صادما إلا لمن ما زال يصدق أسطورة الحركة التحررية. فهذه الجبهة التي بيعت لسنوات كقضية سياسية، تحولت تدريجيا إلى كيان رمادي يسبح بين السلاح والتهريب والارتهان الكامل لأجهزة إقليمية تستعمله كأداة وظيفية رخيصة.
اللافت أن هذه الهجمات لم تأت بعد أزمة داخلية في مالي، ولا بسبب نزاع حدودي مفاجئ، بل مباشرة بعد قرار سيادي يخص قضية الصحراء. وهذا يكشف أن من انزعجه الاعتراف المالي لم يجد حجة سياسية يرد بها، فلجأ إلى لغته القديمة السلاح، التخريب، وضرب الاستقرار. إنها عقلية من خسر المعركة الدبلوماسية، فعاد إلى هوايته المفضلة في العبث الأمني.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن الجماعات المنفذة لم تتحرك بإمكانات بدائية، بل بدعم لوجستي وتمويل وتسليح ومعلومات دقيقة ووسائل تشويش واتصال، وهي أمور لا توفرها جماعة متناثرة في الصحراء، بل تحتاج إلى رعاية أجهزة وخبرة دولة اعتادت إدارة الأزمات من خلف الستار ثم التظاهر بدور رجل الإطفاء أمام الكاميرات. وهنا يعود اسم النظام الجزائري إلى الواجهة، كما يعود دائمًا كلما تفجرت أزمة لها رائحة الانفصال والسلاح العابر للحدود.
النظام العسكري في الجزائر دأب منذ عقود على تسويق خطاب الاستقرار، لكنه في الواقع لا يتقن سوى إنتاج الفوضى وتغليفها بالشعارات. من احتضان البوليساريو، إلى إبقاء مخيمات مغلقة خارج أي رقابة حقيقية، إلى استعمال النزاعات كورقة ابتزاز سياسي، يبدو أن منطق الثكنة لا يزال يحكم السياسة الخارجية أكثر من أي منطق دولة مسؤولة.
أما البوليساريو، فقد تحولت من مشروع انفصالي متآكل إلى عبء أمني ثقيل على المنطقة. لا شرعية شعبية، لا أفق سياسي، لا قدرة على الإقناع، فكان الحل الوحيد هو التحول إلى أداة تستدعى كلما احتاج الجنرالات إلى تشويش انتصار مغربي أو معاقبة دولة خرجت من بيت الطاعة الوهمي.
وفي المقابل، يواصل المغرب ترسيخ حضوره في إفريقيا عبر الاستثمار والتعاون الأمني والتنمية والشراكات الرابحة، وهو ما يفسر تنامي الاعترافات بمغربية الصحراء وتزايد الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الحل الجدي والواقعي والوحيد الممكن. بينما يزرع البعض الفوضى، يزرع المغرب المصانع والموانئ والفرص. والفرق شاسع بين من يبني المستقبل ومن يعيش على أنقاض الماضي.
ما وقع في مالي لا يهم باماكو وحدها، بل يفضح مرة أخرى خطورة ترك الكيانات الانفصالية تتحول إلى منصات تهديد إقليمي. كما يؤكد أن الساحل والصحراء لن يعرفا الاستقرار ما دامت هناك أنظمة تستثمر في الحرائق أكثر مما تستثمر في التنمية، وتنظيمات من بقايا الحرب الباردة تبحث عن معنى لوجودها وسط الخراب. المنطقة اليوم بحاجة إلى شركاء حقيقيين، لا إلى تجار أزمات يرتدون أقنعة سياسية مهترئة



