يحملون من المغرب الجنسية…لكن ولاؤهم لكل بقاع العالم إلا للمغرب

ليست الأوطان مجرد حدود مرسومة على الخرائط، بل معنى عميق للانتماء والوفاء. وحين يختل هذا المعنى، وتختلط الولاءات في العقول قبل الشعارات، يصبح من الضروري التذكير بحقيقة سياسية لا تقبل الجدل، الوطن لا يقبل القسمة، والانتماء لا يكون نصفه للارض ونصفه لعواصم اخرى.

وفي هذا السياق يبرز ما قاله وزير الداخلية البحريني عندما خاطب من يقدمون ولاءهم لإيران على أوطانهم قائلا ان من يرى ان ولاءه لإيران اكبر من ارتباطه ببلده فالأفضل له ان يتوكل على الله ويعيش هناك. عبارة بدت للبعض قاسية، لكنها في حقيقتها تلخص قاعدة بديهية في علم الدولة، لا وطن يستقيم امره اذا اصبحت الولاءات فيه موزعة بين الداخل والخارج.

وهنا يفرض السؤال نفسه عندما ننظر الى بعض المشاهد التي تتكرر في المغرب. اصوات ترتفع في الشوارع بحماسة صاخبة دفاعا عن اجندات ومحاور خارج الحدود، ورايات ترفع باسم معارك بعيدة، بينما يخفت الصوت نفسه عندما يتعلق الأمر بقضايا المغرب او بمعاركه السيادية. وكأن حرارة الغضب تستيقظ حين تكون المعركة في مكان اخر، لكنها تبرد عندما يصبح الوطن نفسه في قلب المعركة.

ليس في التضامن الانساني ما يلام عليه احد، فالقضايا العادلة تستحق الدعم، والضمير الانساني لا يعترف بالحدود. لكن التضامن شيء، وتحويل الشارع المغربي الى منصة لترويج خطابات دول لها حساباتها ومشاريعها شيء مختلف تماما. فحين يصبح الفضاء العام امتدادا لصراعات لا علاقة لها بالمصلحة الوطنية، تتحول القضية من تعبير عن رأي الى خلل في فهم معنى السيادة.

المغرب ليس ساحة لتصفية حسابات الاخرين، ولا ورقة في لعبة المحاور الاقليمية. هو دولة ذات تاريخ عريق في الاستقلالية السياسية، وبلد صاغ خياراته الاستراتيجية داخل مؤسساته لا في صخب الشوارع. ولذلك فان كل محاولة لجر الشارع المغربي الى معارك تخدم اجندات خارجية لا يمكن قراءتها الا باعتبارها انحرافا في ترتيب الاولويات.

والاخطر من ذلك ان بعض هذه الاصوات لا تكتفي بالحماسة لقضايا خارجية، بل تظهر في كل محطة حساسة اقرب الى خطاب خصوم المغرب منها الى خطاب الدفاع عن مصالحه. فكلما احتدمت معركة دبلوماسية او اشتد الضغط الخارجي على البلاد في ملف سيادي، برزت اصوات تحاول التقليل من خطورة ما يجري او تبرير مواقف الدول التي تناصب المغرب العداء.

وهنا لا يعود الأمر مجرد اختلاف في الرأي، بل يصبح خللا عميقا في البوصلة الوطنية. فالوطن ليس فكرة قابلة للمساومة، ولا مساحة محايدة لتجريب الولاءات الايديولوجية. انه الارض التي تمنح لكل موقف سياسي معناه الحقيقي.

لا احد يجادل في ان حرية التعبير حق دستوري مكفول، لكن الحرية في الدول الراسخة لا تعني ان يتحول الفضاء العام الى جسر تعبر فوقه اجندات الخارج نحو الداخل.

لقد ظل المغرب عبر تاريخه دولة مستقلة القرار، لا تابعة لمحور ولا ملحقة بمشروع خارجي. وهذه ليست مجرد عبارة بل حقيقة راسخة في وجدان المغاربة. ومن يظن ان بامكانه تقديم ولاءات عابرة للحدود على حساب الانتماء الوطني فعليه ان يدرك ان الدول لا تبنى بالشعارات بل بصيانة سيادتها وحماية مصالحها.

وفي النهاية تبقى الحقيقة واضحة رغم كل الضجيج. والوطن ليس شعارا يرفع عند الحاجة، بل عهد دائم لا يقبل المساومة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى