حتى لا ننسى: الملك محمد السادس أول الزعماء العرب من التفت إلى إفريقيا بعين الاهتمام والاستثمار لتنميتها

في زمن عربي ظلّ طويلا ينظر إلى إفريقيا بنظارة التعالي أو يمرّ عليها مرور الجغرافيا الصامتة، جاء الملك محمد السادس ليقلب زاوية الرؤية. ليس بخطاب طارئ، بل بخيار استراتيجي متكامل، جعل من القارة الإفريقية مجالا للاهتمام الحقيقي والاستثمار طويل النفس والأمد، فضلا عن الشراكة المرتكزة على منطق الندية لبلوغ نتيجة رابح-رابح بأريحية.

لم يكن هذا الالتفات مجرد انعطافة سير فرضتها حقبة ملك، بل شكلت قناعة “سامية” وتحول آمن في الوعي السياسي العربي، بحيث يمكن القول إنها المرة الأولى التي يُجيد فيها زعيم عربي قراءة إفريقيا بوصفها مستقبلا يتخفى وسط ركام الهشاشة والانقسامات، كان ينتظر فقط “اليد الممدودة” كي يطفو على السطح وينتقل من عبئ جغرافي إلى عمق استراتيجي يُحسن بدوره تثمين مؤهلاته.

لقد فهم جلالته مبكرا أن إفريقيا لا تحتاج إلى خطابات الشفقة ولا إلى وصاية سياسية أو ثقافية، بل إلى شركاء “وجهاء” يؤمنون بإمكاناتها ويستثمرون في إنسانها، بل ويُصغون إلى نبضها الداخلي. من هنا، لم تكن عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي خطوة إجرائية، بل إعلان صريح عن نهاية مرحلة وبداية أخرى. مرحلة تُبنى فيها العلاقات الإفريقية-العربية على المصالح المشتركة لا على الجغرافيا فحسب. وهو ما عبّر عنه الملك بوضوح حين قال: “لا شيء يستطيع أن يمس بالتقارب الذي تم نسجه على مدى قرون بين شعوبنا الإفريقية، ولا بالتعاون المثمر القائم بين مختلف بلدان القارة والذي ما فتئ يتعزز بشراكات أكثر طموحا”، جملة تختصر فلسفة كاملة في التعامل مع القارة (الخطاب الملكي حول كان المغرب 2025 بتاريخ 22 يناير 2026).

لكن منافسات الكان، في وجهها الآخر، كشفت أيضا ضحالة الوعي الإفريقي المشترك، حين انزلقت بعض الأصوات “النشاز” إلى منطق الشماتة والتحريض، وحين استُعملت كرة القدم وقودا لصراعات لا علاقة لها بالرياضة. هنا بالذات، ظهر الفرق بين من يرى في المنافسة فرصة لإبراز الذات ومن يُحولها إلى وسيلة لإلغاء الآخر. أمام هذا المشهد، اختار المغرب ضبط النفس، لا ضعفا بل وعيا بأن الانجرار إلى منطق الردود الانفعالية لا يبني إفريقيا بل يعمق جراحها. وهو اختيار يجد سنده في الرؤية الملكية السديدة التي يجوز لنا ترجمتها بكون إفريقيا لن تنهض إذا استمر أبناؤها في استنزاف بعضهم البعض، وأن الصراعات البينية لا تخدم سوى من لا يريد لهذه القارة أن تقف على قدميها.

إن ما يميّز التوجه الملكي أنه لم يبقى حبيس الخطاب، بل نزل إلى أرض الواقع في شكل استثمارات ملموسة في الفلاحة والبنوك والبنيات التحتية والتكوين الديني والتعليم ثم الطاقة. لم يذهب المغرب إلى إفريقيا بجيوب فارغة أو نوايا ملتبسة. بل ولجها وفي جعبته مشاريع إستراتيجية تخدم سيادة دولها واكتفائها الاقتصادي في المقام الأول. هذا الالتزام الملكي المتفرد جعل الحضور المغربي في إفريقيا مطلوبا ومُرحّبا به في فضاءات إفريقية كانت “تاريخيا” بفعل الاستعمار الفرنسي والبريطاني، شديدة الحساسية تجاه أي تدخل خارجي. وهنا تتجلى فرادة المقاربة الملكية: إفريقيا لا تُخترق بل تُصادَق.

في هذا السياق، يصبح الملك محمد السادس ليس فقط أول زعيم عربي يلتفت إلى إفريقيا بعين الاهتمام، بل أول من تعامل معها كندّ حضاري لا كتابع وكشريك في المستقبل لا كظل للماضي. فحين يقول الملك: “إفريقيا هي المستقبل والمستقبل يبدأ من اليوم” بمناسبة الذكرى الرابعة والستين لثورة الملك والشعب التي تزامنت مع عودة المملكة إلى الاتحاد الإفريقي عام 2017، فهو لا يقدّم شعار شاعري، بل يضع معادلة سياسية واضحة: المصير مشترك، والتقدم لا يكون فرديا. هذه الرؤية، في عمقها، تعيد تعريف معنى القيادة في عالم متقلب، حيث لم تعد القوة في السيطرة، وإنما في القدرة على بناء الشبكات الإنسانية والاقتصادية العابرة للحدود.

وقد تجلى هذا الخيار الإفريقي أيضا في توظيف القوة الناعمة، حيث أصبحت الثقافة والدين المعتدل والرياضة، أدوات للتقارب لا للتأثير الفجّ. إن احتضان المغرب لتظاهرات إفريقية كبرى، وفي مقدمتها كأس إفريقيا للأمم 2025، لا يمكن فصله عن هذا التوجه العام، لأن الرياضة هنا ليست استعراض، بل امتداد لفلسفة الأخوة الإفريقية التي ذكّر بها جلالته من قد يأخذهم سحر المستديرة و “يتطرفوا” عن جادة الصواب في تعاطيهم مع مبدأ راسخ مفاده أن التنافس لا يلغي الانتماء المشترك والاختلاف “الرياضي” لا يُفسد للود قضية “قارية”.

وإعطاء لكل ذي حق حقه كما يلزم، فإننا اليوم نحتفي، من خلال هذا البوح، بدور الملك محمد السادس النابع ليس فقط من كونه زعيم عربي التفت إلى إفريقيا، بل باعتباره اختار أن يفعل ذلك في زمن عزوف وحرص على الاستثمار حيث تردّد الآخرون. وأن يبني حيث اكتفى غيره بالمراقبة. لقد راهن على إفريقيا حين لم تكن، فيما مضى، الرهان الرابح. لقد راكم الثقة بدل البحث عن المكاسب الفورية، وهو ما جعل المغرب اليوم يحظى بمكانة خاصة داخل القارة، لا تقوم على الخوف بل على الاحترام المتبادل.

وبالتالي، فإن الحديث عن الدور الإفريقي للملك محمد السادس ليس حديث عن إنجازات منفصلة، بل عن مشروع متكامل يُعيد وصل ما انقطع بين العرب وإفريقيا، لا على أساس العاطفة بل على أساس المصالح المشتركة والاحترام العميق للإنسان الإفريقي.

وبهذا المعنى، فإن التجربة المغربية تحت قيادة جلالته الرشيدة لا تكتب فقط فصل جديد في علاقة المغرب بإفريقيا، بل تفتح أفق “أخلاقي” وفكري وسياسي أمام العالم العربي كله، مفاده أن الطريق إلى المستقبل يبقى دائري المسلك بحيث يمر من وإلى الجنوب…

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى