أبو وائل الريفي يكتب في بوح الأحد: ”تناحر التيارات الفوضوية في الجامعات والطوابرية يحركون الخيوط من جديد لتوريط السلطة”

يلاحظ المتتبع لسلوك الطوابرية أن لديهم رغبة دفينة، يرافقها إلحاح غير مفهوم ويصعب إيجاد مبرر له، لصناعة توترات مهما كانت كلفة إشعال نيرانها وبغض النظر عن تداعياتها السلبية على أصحابها قبل مؤسسات البلد.

أشرت في بوح سابق إلى أجواء التوتر التي يتحين طلبة جماعة العدل والإحسان الفرصة لصناعتها بتنظيم انتخابات لممثلي الطلبة في الوقت الميت من السنة الدراسية وإقحام الجامعة في صراعات سياسية لا محل لها داخلها ووضع الحرم الجامعي رهن إشارة هيئات سياسية تشتغل خارج القانون لإقامة أنشطة ذات طبيعة حزبية محضة غير قانونية عجزت هذه الهيئات عن إيجاد فضاءات عمومية لها لتصريفها ولم تستوعبها مقراتها التي حولتها إلى مساجد ومقرات خارج القانون. ستتضح هذه الحقيقة إن ربطنا بين الأحداث المتفرقة في مختلف الجامعات، وسنلاحظ أن الدينامية التخريبية لطلبة الجماعة إياها طالت جامعات الرباط وتطوان وأكادير والقنيطرة والناظور. فهل كل هذه الأجندة مجرد مصادفة؟!

الآن بدأت خيوط المؤامرة تتضح أكثر، وبدأ من يحركها يخرج عن صمته وحياده الظاهر لينفث سمومه محاولا إقحام السلطات في صراعات طلابية بينية وتحميلها مسؤولية ما لا علاقة لها بها ولم يسلك المتضررون منه المساطر القانونية والإدارية اللازمة والتي تخول لهذه السلطات مباشرة عملها مع العلم مسبقا أن أطراف هذه الصراعات هدفهم الأساس هو توريط السلطة ويمكن أن يتصالحوا بينهم لأنهم مقتنعين أن العنف واستدامته هو الذي يصنع البيئة الطبيعية لانتعاشهم.

ما يحدث في الآونة الأخيرة من عنف متبادل بين طلبة الجماعة والطلبة اليساريين ذوي الميول العنفية تاريخيا ليس عنفا عابرا أو حالات معزولة ولكنه سلوك مخطط له من قبل تيار “الفوضويين الجدد” الذي يرعى هذا العنف ويشجعه وينتعش وسطه لأن هدفه النهائي هو إشغال السلطات به وتحميلها مسؤوليته وإظهارها بمظهر الضعيف والعاجز عن فرض الأمن والقانون. إنه حلقة جديدة من مسلسل التمكين للفوضى وتكريس دولة اللاقانون. وهذا ما يجتهد فيه “الداهية” المعيطي منجب والمتصابي فؤاد عبد المومني الراعيين لهذا الخيار بمعية من يدور في فلكهما من صبيان وغلمان. والمطلع على تدوينات المعيطي يلحظ اجتهاده هذه الأيام وحماسه للتعسف في قراءة كل ما يحدث في العالم ليحمل مسؤوليته للمخزن وركوبه على الحدث لتسييس متابعته القضائية والتغطية على التهم التي يتابع بها والمتعلقة بتحويل أموال عمومية لحساباته الشخصية وتبييض أموال وغيرها. يحاول المعيطي تحميل الدولة عنف فصائل معروفة تاريخيا بخيارها الفوضوي الذي تعتبره منهج عمل رافقها منذ سيطرتها على الجامعة وإفراغها من طابعها المنفتح والحواري والتسامحي.

يعيش المعيطي هذه الأيام حالة ضياع ونسيان ويأس من تحقق انتعاش أو انفراج في ملف متابعته بعد خفوت التجاوب مع قضيته من قبل أشد المقربين منه الذين صاروا يبتعدون عنه أو يقللون من التواصل والتضامن معه، ولذلك فقد صار يبيح لنفسه الركوب على أي ملف يمكن توظيفه ضد المخزن ولو كان لعبا بالنار لأنه لا انتماء له لهذا الوطن ولم ينظر يوما للوطن سوى بقرة حلوب.

ما يحدث اليوم من عنف متبادل هو حصاد ما زرعه طلبة العدل والإحسان والقاعديون الذين يسيطرون على الجامعة منذ عقود. سخر هؤلاء الفوضويون كل قوتهم لقمع الآراء الأخرى وإسكات صوت الأحزاب ومحاربة الفصائل التاريخية وإرهاب الطلبة، وهو ما تمكنوا من النجاح فيه بعد “غزواتهم” و”فتوحاتهم” و”معاركهم” التي ذهب ضحيتها طلبة أبرياء وأصابت الفضاء الجامعي بالعقم والشلل وفتحت حرم الجامعة لأنشطة لا تتماشى مع الهوية العلمية والطابع المنفتح للجامعات في العالم وأغلقت الباب على الأحزاب الوطنية والمثقفين والباحثين، وكلنا يتذكر الجامعة الربيعية للطلبة الاتحاديين في الدار البيضاء والطريقة الهمجية التي تعامل بها طلبة الجماعة مع رموز وطنية حين تم منعهم من دخول الجامعة، كما نتذكر حالات المنع والقمع التي ووجه بها زعماء وطنيون من طرف التيار القاعدي في فاس وغيرها.

يدعي طلبة الجماعة المحظورة تمثيل الطلبة وينظمون انتخابات لا علاقة لها بأوطم وقوانينه ولا تخضع لأبسط أبجديات الانتخابات الديمقراطية ولا تشرف عليها أو تراقبها جهات محايدة ولا تعرف مشاركة من الطلبة. وقد ألفوا فرض الأمر الواقع على الإدارات الجامعية بمنطق البلطجة والتهديد بشل المرفق العمومي ونجحوا في ذلك مرات حتى ظنوا أنهم ربما هم الدولة وقد حلوا محلها في فضاء لم يتبق إلا أن يعلنوا أنه أرض الخلافة الموعودة.

ويدعي الفوضويون القاعديون أنهم العرق الصافي للمناضلين والباقي تحريفيون وانتهازيون ورجعيون ولا يستحقون غير العنف الثوري الذي يشكل عقيدة راسخة عندهم، ويعتقدون أن فضاء الجامعة صار جمهورية خالصة ومحررة ومناسبة لتحقيق ساديتهم، ولا يألون جهدا لتجريب كل وسائل الإكراه ضد من يخالفهم.

يمكن القول أن زمن الرفاق والإخوان شكل أسوأ فترات الجامعة وأضعفها وغيب تفاعلها الإيجابي مع متغيرات المشهد العام في البلاد لأن هاجسهم لم يكن مصلحة الجامعة والطلبة بقدر ما كان تحرير فضاءات لممارسة “الشذوذ الإيديولوجي” الذي يطبع تفكيرهم وممارستهم، والذي لا يمكن ممارسته إلا بإلغاء التنوع والتعدد والتسامح فحولوا الجامعة من فضاء لتخريج النخب والأطر إلى وكر لتفريخ العنف وتشكيل العصابات ونشر التطرف. وكلاهما يريد توظيف مؤسسات الدولة لتصفية خصومه ومناصرته في صراعات بينية لا دخل للطلاب والجامعة فيها. وفوقهم جميعا يريد عميد الطوابرية وكبير الفوضويين المعيطي تحميل الدولة مسؤوليتها.

للأسف، تتحرك هذه التيارات الفوضوية في الحرم الجامعي وكأنها وحدها فيه دون مراعاة لوجود قانون يؤطرها وإدارات تسيرها وشركاء آخرين يتقاسمون معهم همومها مثل الأساتذة والهيئات الممثلة لهم والإداريين. ويفرضون قانون الغاب وقضاء الفوضى داخلها استنادا لأعراف شاذة ووحشية كان الأولى لكل من يناضل من أجل دولة القانون والمؤسسات استنكارها والعمل على فضح من يعمل بها.

انتعش المعيطي في أجواء الصراع العنيف في الجامعة لأنه مثل الطفيليات لا ينتعش إلا في الأجواء العكرة، وأجندته تحتل الأولوية فيها إدامة العنف وتعميم أجوائه خارج الجامعة ولذلك كانت تدويناته كلها بعيدة عن الحقيقة وعن أحداث العنف لأن همه ليس مصلحة الجامعة ووضع حد لهذا التطاحن الوحشي بين فصائل دخيلة على الجامعة، بل كان كل همه هو تحميل المسؤولية للمخزن وتشجيع الفوضى وإنعاش الصراع العنيف في انتظار سقوط قتيل، ليمارس طقوسه النضالية المقدسة في التضامن وتشكيل لجان والمطالبة بمحاسبة المخزن وعدم الإفلات من العقاب.

طيلة العقود السابقة، لم يسجل على المعيطي وفؤاد وغيرهما قول كلمة حق حول إقصاء الفصائل التاريخية واستنكار تغييب الأحزاب في الجامعة، ولا يشهد لهما مبادرة في اتجاه استعادة الجامعة لدورها الحقيقي كفضاء للحوار والتسامح والمعرفة والنقاش الحضاري لأنهم يعتبرونها بؤرة توتر وبركانا قابلا للانفجار كلما أرادوا الضغط على الدولة. العدل والإحسان من جانبها ظلت تتعامل مع الجامعة كقلعة محررة وتعتبر طلبتها ذراعها القوي الذي توظفه كلما أرادت ابتزاز السلطات أو تضررت من معاملتها وفق القوانين الجاري بها العمل. ورغم أنها جربت أكثر من وسيلة لإخضاع الدولة لمزاجها ولكنها لم تفرط في وجودها في الجامعات وخاضت من أجل ذلك غزوات ومعارك دموية يتجاهلها اليوم المعيطي وفؤاد وغيرهما من الرفاق فاقدي الذاكرة. كيف يتناسى من يحمل صفة “مؤرخ” الماضي العنيف والتورط المباشر لهذين الفصيلين في العنف والعنف المضاد ويتجرأ على تحميل الدولة مسؤوليته؟ وكيف تناسى مساءلة من يدعي تعرضه للعنف ليعرف مدى احترامه للمساطر الضروري اتباعها لتتحرك السلطات؟

لو كان المعيطي صادقا في دعواه استنكار العنف في الجامعة لطالب كل الأطراف بسلوك المسالك القانونية لذلك، ومنها مطالبة من يدعي تعرضه للعنف بتقديم شكاية رسمية وتقديم الأدلة المرتبطة بالوقائع المدعاة وضمنها أساسا شواهد طبية وليس نشر نتائج تحليل اختبار نسبة السكري في الجسم يمكن أن يكون وراثيا أو قبل تاريخ ادعائه ويمكن أن يرتفع لأسباب عدة لا علاقة لها بما يقوله، ولكنه يريد فقط المزايدة على الدولة وتوريطها حتى إذا تدخلت أشهر التضامن مع الجهة الأخرى بادعاء تعرضها للاعتقال التعسفي وعدم تمتيعها بالمحاكمة العادلة وإدراج ملفاتها في حملته البئيسة “فري كلشي”.

منطق المعيطي هو النشر الممنهج للفوضى وتأليب كل الأطراف ضد الدولة وإغراقها في قضايا لفك الطوق عنه ولصرف الأنظار عن ملفه الذي فاحت رائحة الفساد فيه حتى وصلت إلى بعض من كان يطمع في مساندته فرأى بأم عينيه تنصله من التورط في مساندة من تثبت كل الوقائع تورطه في تبييض أموال عمومية والاغتناء على حساب منظمات المجتمع المدني.

هل من الشعور المواطناتي أن تتقدم الجبهة الاجتماعية بتصريح تنظيم مسيرة في طريق بها أشغال عمومية؟ هل بهذه الأساليب يتم الاحتجاج ومراعاة مصالح المواطنين؟ ألا يعتبر التقدم بمثل هذا التصريح رغبة في سيادة الفوضى؟

إنه البؤس النضالي الذي صار يتحكم في تفكير وسلوك “مناضلي” آخر زمان. هؤلاء لا يتصورون أنفسهم مؤثرين إلا بنجاحهم في استفزاز السلطات بعد أن عجزوا عن تحقيق الالتفاف الشعبي حول هيآتهم رغم أنهم يرفعون شعارات ذات طبيعة اجتماعية ولكن المغاربة أصبحوا يقظين ويميزون بين الأصيل والدخيل على النضال وصاروا واقعيين أكثر من هؤلاء الذين لا ينتعشون إلا في الفوضى.

الحقيقة التي لم نعد نحتاج لمزيد من الأدلة عليها هي أن هؤلاء الفوضويين الجدد لا انتماء لهم لهذا الوطن ولا غيرة لهم عليه ولا تهمم لديهم بمصلحة المغاربة ولا يجدون ذاتهم إلا في الفوضى وكل ما يناهض مصالح المغرب ويصابون بالجنون والتدمر كلما عاينوا نجاح المغرب فتتحرك في دواخلهم لوثة الانتقام والتشويش. وليطمئن المعيطي أن كل ما يصبو إليه لن يتحقق لأن هناك من يعي خلفيات كل حركاته ولن يسقط في فخاخه ولأنه منشغل بكسب المعارك الحقيقية وليس ترهات المعيطي وغلمانه.

زر الذهاب إلى الأعلى