الصحافة الإسبانية تعيد تدوير الحقد الاسباني تجاه المغرب …في ثوب “تحقيق صحفي” وتُبيّض الجريمة الإلكترونية

في الصحافة، لا تكمن الخطورة دائما في نشر معلومة خاطئة، بل قد تكمن في تقديم معلومة لم يثبت أصلها باعتبارها مدخلا إلى حقيقة مكتملة. وهذا بالضبط ما يجعل معالجة الصحافة الإسبانية للتسريب المنسوب إلى مجموعة قرصنة إلكترونية جديرة بالتوقف. فقد تناولت القضية وسائل إعلام متعددة، من بينها “إل كونفيدونسيال”، و”إنفوباي إسبانيا”، و”إل ديباتي”، و”لا راثون”، و”ثي أوبجيكتيف”، إلى جانب “أوندا ثيرو”، و”لا سيكستا”، و”أنتينا 3″، و”بوبليكو”، و”إل فارو دي سبتة” و”تيليمدريد”. لكن تعدد المنابر التي تناولت القصة لا يعني بالضرورة تعدد مصادر الإثبات، ولا يحول رواية واحدة إلى حقيقة مكتملة.
فالمسألة هنا لا تتعلق بالدفاع عن المغرب، ولا بالاعتراض على حق الصحافة الإسبانية في النشر، وإنما بالسؤال الأكثر أهمية: هل نحن أمام نتائج تحقيق صحفي مكتمل، أم أمام سردية إعلامية بنيت انطلاقا من معطيات لم يثبت للقارئ بشكل مستقل مصدرها وصحتها ودلالتها.
الرواية التي جرى تداولها تنطلق من ادعاء مفاده أن مجموعة قرصنة حصلت على قاعدة بيانات يقال إنها تضم نحو سبعين ألف شخص مغربي، ثم تربط هذه البيانات بأجهزة أمنية واستخباراتية، قبل أن تضعها في سياق أحداث سبتة وتفتح من خلالها الباب أمام استنتاجات تتعلق بمسؤولية الدولة المغربية عن التخطيط لتلك الأحداث. لكن هذه العناصر لا تشكل في حد ذاتها سلسلة إثبات مكتملة، بل تحتاج كل حلقة فيها إلى دليل مستقل يثبتها.
المشكلة الأولى تبدأ من المصدر نفسه. نحن لا نتحدث عن وثيقة صادرة عن مؤسسة رسمية، ولا عن ملف قضائي، ولا عن نتائج تحقيق مستقل، وإنما عن بيانات منسوبة إلى مجموعة قرصنة. وحتى إذا بدت هذه البيانات في شكل منظم ومقنع، فإن شكلها لا يمنحها صفة الحقيقة. في عصر الذكاء الاصطناعي، أصبح من الممكن إنتاج جداول ووثائق وسجلات رقمية تبدو شديدة الواقعية والدقة، ودمج معلومات صحيحة مع أخرى مختلقة أو معدلة، ثم تقديمها في صورة واحدة توحي للقارئ بأنها قاعدة بيانات أصلية. لذلك لم يعد مظهر الوثيقة كافيا، ولم يعد تنظيم البيانات دليلا على مصدرها، بل أصبح التحقق من أصلها وسلامتها وطريقة الحصول عليها جزءا أساسيا من التحقيق نفسه.
كان يفترض إذن أن يبدأ التحقق من السؤال الأساسي: هل هذه البيانات أصلية فعلا؟ ومن أين جاءت، وكيف تم الحصول عليها، وهل يمكن إثبات عدم تعرضها للتعديل أو إعادة التركيب؟ ثم يأتي السؤال التالي: هل الأسماء الواردة فيها حقيقية، وهل الوظائف المنسوبة إلى أصحابها صحيحة، وهل المعطيات الشخصية والتواريخ متطابقة مع مصادر مستقلة؟ وبعد ذلك فقط يمكن الانتقال إلى البحث في الدلالة التي يمكن أن تحملها هذه البيانات.
حتى تطابق بعض الأسماء أو المعلومات مع مصادر متاحة علنا لا يكفي وحده لإثبات أصالة الملف في مجموعه، لأن المعلومة الصحيحة يمكن أن تستخدم داخل وثيقة غير صحيحة. ويمكن جمع بيانات حقيقية من مصادر متعددة، ثم إعادة ترتيبها وتقديمها داخل ملف واحد، بما يمنح القارئ انطباعا بوجود قاعدة بيانات أصلية ومتكاملة، بينما لا يثبت ذلك بالضرورة شيئا عن مصدر الملف أو سلامة محتواه.
وهنا تظهر نقطة أكثر حساسية، وهي طريقة تحويل البيانات إلى أوصاف واتهامات. هناك فرق مهني وقانوني وسياسي بين أن يظهر اسم شخص في ملف، وبين أن يثبت أنه يعمل في مؤسسة أمنية، وبين أن يثبت أنه عنصر استخباراتي، وبين أن يثبت أنه شارك في عملية محددة. هذه مستويات مختلفة من الإثبات، ولا يمكن اختصارها في توصيف واحد لمجرد أن السياق الإعلامي يسمح بذلك.
والأمر نفسه ينطبق على العلاقة بين الأشخاص المذكورين وأحداث سبتة. وجود اسم في قاعدة بيانات، حتى لو ثبتت صحة البيانات نفسها، لا يثبت أن صاحب الاسم شارك في التخطيط للأحداث. وإثبات الوظيفة لا يثبت الفعل، وإثبات الانتماء إلى مؤسسة لا يثبت وجود قرار أو تعليمات، ووجود شخص داخل جهاز أمني لا يحوله تلقائيا إلى طرف في عملية سياسية.
لهذا فإن الربط بين هذه المعطيات وأحداث سبتة يحتاج إلى أدلة مستقلة من طبيعة مختلفة، وثائق، مراسلات، اتصالات، أو شهادات يمكن التحقق منها، أو معطيات أخرى تثبت وجود علاقة مباشرة بين الأشخاص المعنيين وبين التخطيط للأحداث. أما أن يأتي هذا الربط من تفسير التسريب نفسه، فهذا يعني أننا لا نتعامل بعد مع نتيجة أثبتها التحقيق، بل مع رواية تقدمها الجهة التي تقف وراء التسريب، ثم يعاد تقديمها للقارئ في قالب صحفي.
وهنا تكمن المسألة الأكثر أهمية في هذه القضية. ما نشرته الصحافة الإسبانية ينبغي أن يقرأ باعتباره سردية إعلامية تحتاج إلى تفكيك عناصرها واحدا واحدا، لا باعتباره حكما نهائيا صادرا عن تحقيق أثبت المسؤولية. فـ”إل كونفيدونسيال” قدمت المعطيات باعتبارها حصيلة حصولها على التسريب، ثم تناولتها وسائل إعلام أخرى، من بينها “إنفوباي” و”إل ديباتي” و”لا راثون” و”ثي أوبجيكتيف”، كما دخلت وسائل إعلام وإذاعات وقنوات مثل “أوندا ثيرو” و”لا سيكستا” و”أنتينا 3″ على خط القضية.
لكن هنا بالضبط يجب التمييز بين تعدد الناشرين وتعدد مصادر الإثبات. فعندما تنتقل المعلومة من صحيفة إلى أخرى، قد يبدو للقارئ أنها أصبحت أكثر رسوخا لمجرد أنها ظهرت في أكثر من منبر، بينما قد تكون جميع هذه التغطيات في النهاية تعود إلى المصدر نفسه وإلى المعطيات نفسها. وإعادة نشر التسريب، أو بناء تحليل سياسي عليه، لا يضيف تلقائيا دليلا جديدا إلى أصل الرواية.
بل إن بعض التغطيات نفسها تكشف هذه المشكلة. فقد أشارت “أنتينا 3” إلى أن المدير السابق للمركز الوطني للاستخبارات الإسباني، خورخي ديسكالار، لا يعرف عن القضية أكثر مما نشره “إل كونفيدونسيال”، كما شكك في رقم سبعين ألفا، معتبرا أن هذا العدد يبدو كبيرا جدا إذا كان الحديث عن عناصر استخبارات مغربية، وإن كان يمكن أن يشمل متعاونين.
وهذه النقطة تحديدا تكشف أن مجرد انتقال الادعاء من منبر إعلامي إلى آخر لا يعني أن عناصره أصبحت مثبتة. فإذا كان أحد أبرز الخبراء السابقين في الاستخبارات الإسبانية نفسه يتعامل مع المعطيات المنشورة باعتبارها المعلومات المتاحة له من التغطية الإعلامية، فإن السؤال حول درجة التحقق المستقل من التسريب يظل مشروعا.
هناك فرق كبير بين أن تنشر صحيفة ادعاءات ومعطيات وتربط بينها داخل قصة واحدة، وبين أن تقول إن تحقيقا مستقلا أثبت أن هذه المعطيات صحيحة وأنها تقود بالضرورة إلى النتيجة السياسية التي قدمت معها.
الفرق بين الأمرين ليس شكليا. عندما تقدم السردية الإعلامية للقارئ باعتبارها نتيجة تحقيق، فإن القارئ قد لا يعود يميز بين ما أثبته الصحفي فعلا، وما نقله عن مصدر، وما استنتجه من المعطيات. وهنا تصبح مسؤولية المؤسسة الإعلامية أكبر، لأن عليها أن تجعل حدود المعرفة واضحة، وأن تحدد بدقة ما تم التحقق منه، وما بقي في مستوى الادعاء، وما هو مجرد تفسير أو استنتاج.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا اختارت الصحافة الإسبانية تناول هذه القضية، ولا لماذا اهتمت بالمغرب، فهذا حقها الصحفي. السؤال هو ما الذي أثبتته فعلا. هل أثبتت مصدر البيانات، وأصالتها، وسلامة محتواها، وهوية الأشخاص الواردة أسماؤهم فيها، ثم أثبتت بعد ذلك وجود علاقة مباشرة بين هؤلاء الأشخاص وأحداث سبتة؟ أم أن هذه الحلقات قدمت للقارئ ضمن سردية واحدة، بحيث يبدو الاستنتاج النهائي وكأنه النتيجة الطبيعية للبيانات، بينما تظل حلقات أساسية في سلسلة الإثبات بحاجة إلى دليل مستقل؟
في زمن يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي أن ينتج محتوى رقميا شديد الإقناع، لم يعد الشكل دليلا، ولم تعد كثرة الأسماء دليلا، ولم تعد كثافة المعلومات دليلا. حتى تعدد الصحف والقنوات التي تتناول القصة لا يجعلها أكثر صدقا ما لم يكن هذا التعدد مصحوبا بأدلة جديدة ومستقلة. فالصحيفة الثانية التي تعيد نشر ادعاء الصحيفة الأولى لا تصبح، بمجرد نشرها للقصة، مصدرا مستقلا لإثبات الادعاء.
الصحافة الجادة لا تقاس بقدرتها على تقديم رواية قوية، بل بقدرتها على الفصل بين الرواية والدليل. وهي لا تحتاج إلى ملء الفراغات بالاستنتاجات عندما لا يكون الدليل مكتملا. عبارة «لم نتمكن من التحقق من ذلك» ليست ضعفا مهنيا، بل قد تكون أكثر قوة من تقديم احتمال على أنه حقيقة.
وإذا كانت هناك أدلة حقيقية على تورط أفراد أو مؤسسات مغربية في التخطيط لأحداث سبتة، فهذه الأدلة يجب أن تعرض بوضوح، وأن تخضع للفحص، وأن تكون قابلة للتحقق من مصادر مستقلة. أما إذا كانت المعطيات المتوفرة عبارة عن تسريب منسوب إلى مجموعة قرصنة، وبيانات لم يثبت للقارئ بشكل مستقل أصلها وسلامتها، ثم استنتاجات سياسية بنيت فوقها، فإن تقديم النتيجة باعتبارها حقيقة مكتملة يتجاوز ما تسمح به الأدلة المعروضة.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بمنع الصحافة الإسبانية من التحقيق، ولا بمنح المغرب حصانة من النقد، بل بالدفاع عن المعيار نفسه الذي يفترض أن يحكم أي تحقيق صحفي، مهما كان موضوعه ومهما كانت الجهة التي يتناولها. الاتهام لا يصبح أكثر ثبوتا لأن «إل كونفيدونسيال» نشرته، ولا لأن «إنفوباي» و«إل ديباتي» و”لا راثون” و”ثي أوبجيكتيف” تناولته، ولا لأن “أوندا ثيرو” و”لا سيكستا” و”أنتينا 3″ ناقشته، ولا لأن “بوبليكو” و”إل فارو دي سبتة” و”تيليمدريد” دخلت بدورها على خط التغطية. كثرة المنابر لا تعادل كثرة الأدلة.
فالفرق بين التحقيق وصناعة الرواية يكمن في المسافة بين المعلومة والحكم. الصحفي الجاد لا يلغي هذه المسافة، بل يشرحها للقارئ. يقول له: هذا ما نعرفه، وهذا ما لم نتمكن من إثباته، وهذا ما يقوله المصدر، وهذا ما استنتجناه نحن. وعندما تختفي هذه الحدود، يصبح القارئ أمام رواية تبدو مكتملة، بينما قد تكون أدلتها لا تزال مجزأة.
وهنا تكمن المساءلة الحقيقية للصحافة الإسبانية، ليس لأنها نشرت قصة محرجة للمغرب، وليس لأنها اختارت التحقيق في ملف حساس، بل لأن السؤال المهني الذي يبقى مطروحا هو: هل قدمت للرأي العام نتيجة تحقيق أثبتت عناصرها بشكل مستقل، أم قدمت سردية إعلامية قوية انتقلت من منبر إلى آخر، بينما ظل التسريب الذي قامت عليه بحاجة هو نفسه إلى الإثبات؟
لأن الحقيقة لا تأتي من قوة الرواية، ولا من حجم الملف، ولا من عدد الأسماء، ولا من عدد الصحف التي أعادت نشر القصة، ولا من الطريقة التي تقدم بها المعلومات. الحقيقة تأتي من الدليل، والدليل لا يصبح دليلا حقيقيا إلا عندما يستطيع الصمود أمام الشك والتحقق المستقل.



