الرد القاهر على الإعلام الجزائري العاهر

لا غرابة أن تصاب أجراس النظام الجزائري بالهستيريا العارمة عقب التطورات الأممية الأخيرة و قرار مجلس الأمن القاضي بإلغاء مهمة بعثة “المينورسو” وإنهاء ولايتها، حيث شكل هذا الأخير القشة التي قصمت ظهر عصابة عسكرية باعت لشعبها الوهم سنين طوال حول قضية الصحراء.
البيان المهزلة الصادرعن وكالة الأنباء الجزائرية (واج) حول البرلمان المغربي، يمكن عدّه رقصة ديك مذبوح يختزل حجم الصدمة والذهول الذي ألمّ بقاطني “قصر المرادية” وهم يعاينون تهاوي أطروحاتهم أمام صلابة الدبلوماسية المغربية وخسارتهم لملف لطالما كانوا السبب الرئيسي في عرقلة مساره الأممي وفرملة عملية إنهاءه بشكل أبدي بعدما عمّر لأزيد من نصف قرن.
بلاغ الوكالة الخسيسة جاء مباشرة بعد بيان الديوان الملكي المغربي الذي ضرب فأوجع وقض على الجزائر المضجع، كاشفاً لعورات كيان عسكري عجز عن استيعاب صفعة مدوية دفعت أبواقه الخاصة و الرسمية للتهافت نحو مداراة هذه الخيبة المزلزلة التي تمهد لطي ملف الصحراء المغربية.
لقد ثارت ثائرة الإعلام الرسمي بالحقيقة الناصعة بعد ميل الكفة صوب دبلوماسية المغرب و انتصاره الكاسح وهو الذي تمكن من بسط سيادته على الصحراء عبر مسار تاريخي محكم وواقعي، انطلق بالمسيرة الخضراء المظفرة سنة 1975 لاسترجاع الأقاليم، وتأكّد ببناء الجدار الدفاعي العازل في الثمانينات لتأمين الصحراء وحمايتها، وصولاً إلى اتفاق وقف إطلاق النار سنة 1991، ثم طرح مبادرة الحكم الذاتي سنة 2007 التي تحولت إلى الخيار الأمثل والدولي الوحيد، تلا ذلك تحرير معبر الكركارات وتأمينه الميداني سنة 2020، وصولاً إلى القرار التاريخي رقم 2797 لسنة 2025 الذي كرس الاعتراف الدولي الواسع بالسيادة المغربية، واكتمل هذا المسار بإلغاء مهمة المينورسو وإغلاق الملف نهائياً، معززاً باعتراف أكثر من 100 دولة بمغربية الصحراء وافتتاح ما يزيد عن 30 قنصلية أجنبية في العيون والداخلة.
وإذا كان منبر الثكنات يحاول التشدق زورا بالديمقراطية الوهمية، فإن التاريخ يدوّن أن هذا التنظيم “المافيوزي” ارتأى إلغاء نتائج الانتخابات التشريعية مطلع التسعينات و التي فاز بها حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ مع إدخال البلاد في محرقة “العشرية السوداء” التي راح ضحيتها ربع مليون جزائري و فقدان وتشريد مئات الآلاف، فقط لكي لا يهتز عرش سيطرة جنرالات الدم على مقاليد السلب و النهب والتصرف في خيرات الشعب الجزائري من بترول و غاز وكذا الاستمرار في تهريب الممنوعات وتبييض الأموال.
أما آن للوكالة التي تتبجح بمنح السلطة للشعب أن تستفيق من غفلتها و تعترف بأن النظام الجزائري هو النظام الوحيد الذي لم يعرف قط انتقالا رئاسيا دستوريا طبيعيا بل الأفظع من هذا أنه يعمد إلى التخلص من رؤسائه بوحشية مطلقة إذا ما عارضوا قرارات أصحاب بذلات “الكاكي” سواء عبر الاغتيال مثل هواري بومدين الذي تم قتله بالسم سنة 1978 مؤديا ضريبة صراع الأجنحة أو محمد بوضياف الذي شاهد العالم عملية تصفيته على الهواء مباشرة سنة 1992 فقط لأنه تجرأ على التقارب مع الجار المغربي، أو عبر الإطاحة بهم عن طريق الانقلابات مثل حالة أحمد بن بلة و الشاذلي بن جديد دون إغفال تنصيب رؤساء مقعدين أو معتوهين كواجهة مدنية لحكم عسكري وهو نموذج عبد العزيز بوتفليقة و عبد المجيد تبون.
ولعل وكالة الأنباء الرسمية في شبه دولة الجزائر نسيت التطرق لكون جرائم النظام لا تتوقف عند حدود نهب الثروات وقمع التطلعات، بل تتمدد لتكرس سجناً كبيراً وحصاراً خانقاً على حرية الرأي والتعبير عبر تكميم الأفواه وملاحقة الأقلام الحرة داخل البلاد وخارجها كما تعرف البلاد تراجعاً ملموساً في سقف الحريات العامة تتجسّد في فرض قيود مشددة على التظاهر والتعبير عن الرأي حيث لجأت السلطات إلى تعديل قوانين العقوبات وتوسيع مفهوم “الإرهاب” والمساس بالأمن الوطني، مما أسفر عن ملاحقات قضائية وإغلاق مؤسسات إعلامية وحلّ منظمات حقوقية ومجتمعية مستقلة.
كان من الأجدر على من صاغ ترهات البلاغ السيء الذكر أن يقف ولو لبرهة عند الديكتاتورية التي تطغى على المناخ العام في البلاد حيث عانى عدد من رموز الصحافة ويلات الاعتقال التعسفي والاحتجاز القسري مثل الصحفي بوعلام صنصال أو الإعلامي الفرنسي كريستوف غليز الذي أثارت قضيته المأساوية اهتماماً دولياً واسعاً وتم التطرق لمعاناته حتى في المحافل العالمية الكبرى كحفل الكرة الذهبية الأخير الذي سيبقى شاهدا حي على بطش آلة القمع العسكرية تحولت معها الجمهورية إلى سجن مفتوح يمارس فيه جلادو الثكنات أبشع صور التنكيل بكل صوت معارض.
ربما سعى الإعلام التبوني/الشنقريحي ببيانه العبيط التغطية على عدد من الفضائح التي تفجرت مؤخرا، بدءاً بمهزلة الانتخابات وشراء توقيعات الرئاسيات التي انتهت بسجن مترشحين بارزين كسعيدة نغزة وبلقاسم ساحلي لمدة عشر سنوات، مروراً بسجن وزراء ورؤساء حكومات سابقين كأحمد أويحيى وعبد المالك سلال وعلي عون، أو كشف ملايير الدولارات المنهوبة بالبنوك السويسرية باسم عائلة بوتفليقة، أو تحكم الجنرالان توفيق و شنقريحة في هندسة التعيينات و تدبير التصفيات من خلف الستار، ناهيك عن سجن المبلّغين عن الفساد أمثال محمد عبد الله ونور الدين تونسي، مع غرق عدد من الولايات في عدد من الأزمات تشمل قطاعات حيوية مثل الماء الشروب و الدقيق و الغاز و السميد و الحليب الشيء الذي يضطر الجزائريين للوقوف بالساعات ضمن طوابير الذل و هو أكبر دليل على حجم الهوان السياسي والإداري داخل هذه الطغمة الحاكمة.
وعليه فإن محاولة وكالة (واج) الحقيرة إسقاط عُقد نظامها الموبوء بالجرائم على السيادة المغربية المنيعة لا يعدو أن يكون مجرد هذيان، إذ أن الشعب المغربي الواعي يدرك تمام الإدراك الفرق الهائل بين برلمان جزائري مهزوم يخضع صاغراً لمنطق التعليمات الفوقية والأوامر المباشرة من عصابة العسكر التي تفرضه كـ “ديكور” باهت لتمرير نزوات الجنرالات، وبين مؤسسة تشريعية مغربية حقيقية أفرزتها صناديق الاقتراع وإرادة شعبية حرة تمثل الأمة بكل سيادة وكرامة.
لذا ستبقى الجزائر، إن لم يستفق أبناؤها، أسيرة لـ “كارتيل” يديره مجرمون لا أمل في إصلاحهم ولا رجاء في هدايتهم.



