سبتة ومليلية.. حين تتحول الوطنية إلى بضاعة في سوق الاسترزاق الرقمي

كلما برزت قضية تمس السيادة الوطنية، ظهر متصيدو الفرص على منصات التواصل الاجتماعي، متدثرين بشعارات الدفاع عن الوطن، ومحاولين تحويل القضايا الوطنية إلى وسيلة لجلب المشاهدات وصناعة الجدل وتحقيق المكاسب الشخصية.

مع الحديث عن زيارة العاهل الإسباني فيليبي السادس برفقة الملكة ليتيسيا، إلى مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين يومي 13 و14 أكتوبر 2026، عادت إلى الواجهة أصوات اختارت ركوب موجة الحدث، لا لتقديم قراءة رصينة ومسؤولة -عن الزيارة-، بل لاستثمار حساسيتهم السياسية والتاريخية في معارك افتراضية عنوانها الصراخ، وغايتها استقطاب المتابعين وتوسيع دائرة الانتشار، على حساب المساس بالسيادة الوطنية والوحدة الترابية والمجتمعية.

خلال هذه الزيارة، اختارت المملكة نهج التحفظ الدبلوماسي على مستوى التصريحات الرسمية، في إطار مقاربة محسوبة تفرضها طبيعة الملفات السيادية وحساسيتها. غير أن بعض الأصوات اختارت اختزال هذه الاستراتيجية الدبلوماسية في قراءة سطحية، تربط بين غياب التصريحات والتراجع عن المطالب الوطنية، في تجاهل واضح لتعقيدات العمل الدبلوماسي وآلياته.

وبدل تقديم تحليلات مسؤولة تستند إلى المعطيات والوقائع، لجأ بعض صناع المحتوى إلى لغة المزايدات والتخوين لتحقيق الانتشار الرقمي، في خلط بين الدفاع الحقيقي عن المصالح الوطنية والاستثمار في مشاعر المغاربة.

وتكمن المفارقة في أن بعض الأصوات التي تتصدر المشهد الافتراضي باسم الوطنية تجعل من إثارة الشكوك وتضخيم الخلافات وسيلة دائمة للحضور، وتتعامل مع كل تطور سياسي باعتباره مادة جاهزة للتسويق الرقمي.
إن الدفاع عن الوطن ليس سباقاً في توزيع صكوك الوطنية والخيانة، ولا فرصة لتصفية الحسابات الشخصية تحت غطاء الغيرة على المصالح العليا للمملكة. فسبتة ومليلية ليستا مادة للاسترزاق، والوطنية ليست قناعاً موسمياً يُرتدى كلما سنحت فرصة للظهور. إن الدفاع عن المغرب يقتضي خطاباً مسؤولاً، ومواقف واضحة، ووعياً بأن القضايا الوطنية أكبر من حسابات المشاهدات، وأسمى من أن تتحول إلى سلعة في سوق الاستقطاب الرقمي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى