زيارة ملك إسبانيا لسبتة.. محاولة لشرعنة الاحتلال واستفزاز المغرب

لم تعد بعض التحركات الإسبانية تجاه سبتة ومليلية مجرد ممارسات بروتوكولية عابرة، بل أضحت تعكس إصرارا واضحا على تكريس الأمر الواقع، واستثمار رمزية السيادة في معارك سياسية داخلية لا تخلو من حسابات انتخابية. فزيارة العاهل الإسباني فيليبي السادس وعقيلته إلى سبتة تأتي في سياق مشحون بالتوترات، لتعيد إلى الواجهة ملفا تاريخيا شائكا، وتطرح من جديد سؤال حدود الشراكة بين الرباط ومدريد، حين تتقاطع المصالح الاستراتيجية مع قضايا السيادة والكرامة الوطنية. فهل تعتقد مدريد أن تكرار الزيارات الرسمية واستعراض مظاهر الحضور الإسباني كفيل بتحويل الخلاف التاريخي إلى حقيقة نهائية، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون محاولة لإضفاء شرعية سياسية على واقع يرفض المغرب التسليم به؟

الأكثر استفزازا في هذا السياق أن تأتي الزيارة في أعقاب التوترات المرتبطة بالهجرة غير النظامية، وفي مناخ داخلي إسباني تتصاعد فيه المزايدات السياسية، لتجد بعض تيارات اليمين المتشدد في المغرب شماعة جاهزة لتعليق إخفاقاتها عليها، والتشكيك في مصداقية شريك أثبتت الوقائع أهمية التعاون معه. وهنا تتجلى المفارقة الصارخة: حين تحتاج إسبانيا إلى المغرب في ملفات الأمن والهجرة ومكافحة الشبكات الإجرامية، تستحضر خطاب الشراكة وحسن الجوار، وحين تضيق بها حساباتها الداخلية، يتحول المغرب إلى هدف للاتهامات والاستفزازات. إن الشراكة لا يمكن أن تكون التزاما من طرف واحد، ولا يجوز أن يتحول التعاون المغربي إلى واجب دائم، بينما يُترك المجال مفتوحا أمام خطابات تمس المصالح المغربية وتستثمر في الخلافات التاريخية لتحقيق مكاسب انتخابية عابرة.

لقد جاء الموقف المغربي واضحا في خطاب الملك محمد السادس، الرافض لكل أشكال الابتزاز والضغط، والمؤكد أن الشراكة اختيار سيادي والتزام إرادي، وليست امتيازا يمنح للآخر حق اختبار صبر المملكة أو المساومة على ثوابتها. فالمغرب الذي يحرص على استقرار علاقاته مع إسبانيا لا يفعل ذلك من موقع ضعف، ولا يعتبر حسن الجوار تفويضا مفتوحا للتنازل عن حقوقه التاريخية. كما أن العلاقات الاقتصادية والأمنية والإنسانية، مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تتحول إلى غطاء لتجاهل القضايا السيادية أو وسيلة لإرغام الرباط على القبول بالأمر الواقع. فالفرق كبير بين دولة تختار التعاون انطلاقا من مصالحها، ودولة يُراد لها أن تتعاون تحت الضغط، وبين دبلوماسية تؤمن بالتوازن، وأخرى تراهن على أن المصالح المشتركة ستجعل الطرف المقابل يتغاضى عن كل استفزاز.

إن سبتة ومليلية ليستا مجرد عنوان عابر في سجال سياسي، بل ملف يرتبط بالتاريخ والجغرافيا والسيادة، ولا يمكن حسمه عبر الزيارات الملكية أو الرموز الرسمية أو محاولات تطبيع الواقع القائم. فإسبانيا قد تتمسك بمرجعيتها القانونية والسياسية في المدينتين، لكن ذلك لا يلغي استمرار الموقف المغربي، ولا يمنح الخطوات الرمزية قدرة سحرية على إنهاء الخلاف. والأكثر تناقضا أن يجري توسيع دائرة التوتر عبر نقل النقاش من تدبير الهجرة إلى استعراض السيادة، في وقت تقتضي فيه الحكمة معالجة الملفات الخلافية بعيدا عن المزايدات الداخلية. فالدول الواثقة من مواقفها لا تحتاج إلى توظيف كل أزمة لتعبئة الرأي العام ضد جيرانها، كما أن العلاقات الراسخة لا تُبنى بإثارة الحساسيات التاريخية كلما اقتضت الضرورة السياسية ذلك.

ومع ذلك، فإن الرد المغربي الأكثر فعالية لا يكمن في الانجرار إلى مواجهة مفتوحة مع مدريد، بل في مواصلة بناء عناصر القوة الاقتصادية والدبلوماسية، وتعزيز الشراكات الدولية، وتوسيع هامش القرار الوطني، بما يجعل الدفاع عن المصالح المغربية قائما على النفوذ والقدرة على التفاوض، لا على ردود الفعل الظرفية. فالتشابك القائم بين البلدين في مجالات الأمن والطاقة والتجارة والهجرة يجعل التصعيد الشامل مكلفا للطرفين، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لتأجيل الخلافات أو التساهل مع الاستفزازات. والمطلوب هو شراكة واضحة القواعد، متوازنة الالتزامات، تحترم المصالح المشتركة من دون المساس بالثوابت الوطنية، وتدرك أن الاستقرار الحقيقي لا يقوم على إخفاء الخلاف، بل على تدبيره بمسؤولية وواقعية.

في النهاية، على مدريد أن تدرك أن المغرب ليس شريكا يمكن استدعاؤه عند الحاجة والتشكيك فيه عند الأزمات، ولا طرفا يمكن الضغط عليه باسم المصالح المشتركة أو استدراجه إلى تنازلات تحت وطأة الحسابات الانتخابية. فالزيارات قد تكرس مشهدا سياسيا مؤقتا، والخطابات قد تحقق مكاسب داخلية محدودة، لكنها لن تنهي خلافا تاريخيا بمجرد تجاهله أو محاولة فرض رواية واحدة بشأنه. إن مستقبل العلاقات المغربية الإسبانية يظل رهينا بقدرة الطرفين على الفصل بين ضرورات السياسة الداخلية ومسؤوليات الشراكة الاستراتيجية، وبين إدارة المصالح واحترام السيادة. أما المغرب، فبوسعه أن يمد يده للتعاون، وأن يختار الحوار، وأن يدافع عن استقرار المنطقة، لكنه لن يجعل من حسن الجوار تنازلا عن الكرامة، ولا من الشراكة صكا على بياض. فالمغرب يريد علاقات متينة مع إسبانيا، لكنه لا يقبل أن تكون متانتها على حساب حقوقه، ولا أن يصبح احترام مصالحه رهينا بمزاج السياسة الإسبانية وتقلباتها الانتخابية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى