بيغاسوس.. حين يصبح التكرار في الإعلام الفرنسي بديلا عن الدليل

في ملف بيغاسوس، لم يعد الأمر يتعلق بمجرد نقاش تقني حول برنامج للمراقبة، بل برواية إعلامية تتكرر فيها اتهامات توجهها بعض التقارير إلى المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، DGST، وتربطها باستخدام برنامج بيغاسوس. ومع كل تقرير جديد، تعود الرواية نفسها إلى الواجهة، ثم تتلقفها بعض المنابر الفرنسية وتعيد نشرها وتوسيع صداها، حتى يبدو الاتهام وكأنه يكتسب قوته من كثرة تداوله لا من قوة الأدلة التي تسنده. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحا، هل نحن أمام معطيات جديدة تغير جوهر الملف، أم أمام اجترار لرواية قديمة وإعادة تدوير لها في قالب إعلامي جديد

والمفارقة أن التقرير الجديد لمنظمة العفو الدولية لم يستقبل في بعض وسائل الإعلام الفرنسية باعتباره مادة تحتاج إلى التفكيك والمساءلة، وإنما جرى التعامل معه بوصفه وقودا جديدا لسردية قديمة. وهكذا أصبح الجديد، في جانب كبير من التناول، ليس بالضرورة ما أضافه التقرير إلى جوهر القضية، وإنما إعادة تدوير ما سبق تداوله وإلباسه لغة جديدة وعناوين جديدة. إننا أمام اجترار لما هو قديم وإعادة ضخ له في المجال الإعلامي، أسماء مألوفة، اتهامات سبق تداولها، روايات تعود إلى الواجهة، ثم إعادة تقديمها كما لو أن مرور الزمن وتعدد المنابر قد منحاها قوة إثبات لم تكن تملكها في الأصل. والحال أن تكرار الرواية لا يصنع دليلا، كما أن انتقالها من تقرير إلى عشرات العناوين لا يحولها إلى حقيقة قضائية.

ومن هنا تبدأ المشكلة الحقيقية في بعض التغطيات الفرنسية، طمس الفوارق بين ما تقوله جهة ما، وما تثبته وثيقة، وما تكشفه تحليلات تقنية، وما يمكن أن تنتهي إليه عملية إسناد المسؤولية إلى جهة بعينها. وهذه مستويات مختلفة من الإثبات لا يجوز صهرها في رواية واحدة ثم تقديمها للقارئ باعتبارها حقيقة مكتملة. فأن يظهر رقم هاتف في قائمة استهداف لا يعني بذاته أن الهاتف أصيب بالبرنامج، وإثبات الإصابة لا يكفي وحده لتحديد الجهة التي قامت بها، وحتى تحديد المشغل المفترض لا ينهي تلقائيا السؤال الأكثر تعقيدا، من يقف وراء العملية، وما الدليل الذي يربطه بها. وبين كل حلقة وأخرى توجد مسافة إثبات لا يمكن للقوة البلاغية للعناوين أن تختصرها.

وفي قلب هذا النقاش يبرز اسم سفير، الذي قدم باعتباره عميلا سابقا في المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، وهو ما يمنح تصريحاته وزنا خاصا في نظر القارئ. لكن الصفة السابقة، مهما كانت، لا يمكن أن تتحول وحدها إلى شهادة شاملة على كل ما يجري داخل مؤسسة أمنية. فالسؤال المهني يظل قائما حول مستوى مسؤوليته، والمعلومات التي كان يملك وصولا مباشرا إليها، وما إذا كان قد شارك شخصيا في العمليات التي يتحدث عنها، وما إذا كان يستطيع توثيق القرارات التي ينسبها إلى مسؤولين أو إلى جهات معينة، أم أن جزءا من معلوماته قد يكون منقولا عن مصادر أخرى. الصفة لا تغني عن الدليل، والشهادة لا تعفي من التحقق.

ولا يعني ذلك رفض شهادة أي مصدر أو إسقاطها مسبقا، بل يعني إخضاعها للمعيار نفسه الذي ينبغي أن تخضع له كل شهادة مؤثرة في قضية بهذا الحجم. فإذا كانت ظروف مغادرته للمؤسسة قابلة للتوثيق، فهي جزء من سياقه الشخصي والمهني، لا دليلا تلقائيا على صدقه أو كذبه. وإذا كان إخفاء هويته ضروريا لحمايته، فإن ذلك يزيد مسؤولية الجهات التي تنشر أقواله في شرح كيفية التحقق من مساره، ووظائفه، ومدى اطلاعه المباشر، والعناصر المستقلة التي تؤيد ادعاءاته الأساسية. إخفاء هوية المصدر قد يحميه، لكنه لا يحول كلامه إلى وثيقة إثبات.

والأمر نفسه ينطبق على الوثائق والعناصر التقنية التي تقدم في هذا الملف. وجود وثيقة لا يعني أن كل استنتاج يبنى عليها قد ثبت، ووجود أثر تقني لا يعني أن جميع مراحل الإسناد قد اكتملت. والسؤال الذي يجب أن يسبق العنوان هو، أي وثيقة تثبت أي واقعة، وما العناصر التي تؤكد بعضها بعضا بصورة مستقلة، وأيها يعود في النهاية إلى المصدر الأول نفسه. لان تكرار المعلومة في عدة وسائل إعلام لا يجعلها مستقلة إذا كانت جميعها تعيد نقل المصدر ذاته. النسخ المتعددة لا تصنع مصادر متعددة، وتكرار الشبهة لا يحولها إلى يقين.

وفي المقابل، فإن الردود والنفي الصادرين عن الجانب المغربي لا ينبغي أن يعاملا باعتبارهما خاتمة للملف، كما لا يجوز تجاهلهما وكأنهما لم يصدرَا. فالتحقيق الجاد يقوم على عرض الادعاء والرد عليه، وعلى وضع كل طرف أمام العناصر التي تدعم موقفه. والأمر ذاته ينطبق على القضاء، التقرير ليس حكما قضائيا، وعدم قبول دعوى أو رفضها إجرائيا لا يعني بالضرورة حسم جوهر الوقائع موضوعيا. إن الخلط بين هذه المستويات يخلق أثرا إعلاميا قد يكون أقوى من الحقيقة القانونية نفسها، ويحول القرار القضائي أو التقرير إلى ختم جاهز بدلا من اعتباره عنصرا داخل مسار يحتاج إلى قراءة دقيقة.

لكن التدقيق نفسه يجب ألا يتوقف عند المغرب. فملفات تقنيات المراقبة الأوروبية، ومنها ما ارتبط بمنظومة Predator وشبكة Intellexa واسم Nexa، طرحت بدورها أسئلة حول الشركات والوسطاء ومسارات التسويق والتصدير والرقابة التي تمارسها السلطات. وهذه الملفات لا تلغي أي اتهام موجه إلى المغرب، لكنها تمنع اختزال قضية التجسس الرقمي في صورة مستخدم مفترض واحد، بينما تبقى صناعة الأدوات، وشبكات توزيعها، والجهات التي ترخص لها، والآليات التي تسمح بوصولها إلى الأسواق والأنظمة، في خلفية المشهد. فإذا كانت التكنولوجيا نفسها تمثل تهديدا للحريات، فإن مساءلة من يصنعها، ومن يسوقها، ومن يصدرها، ومن يراقب تداولها، لا تقل أهمية عن مساءلة من يتهم باستخدامها.

وهنا تحديدا تختبر مصداقية الإعلام. فإذا كانت الحريات الرقمية مبدأ لا يتجزأ، فلا ينبغي أن تتغير درجة التدقيق بتغير هوية الدولة الموجودة في دائرة الاتهام. وإذا كانت التقارير تستحق المتابعة، فإنها تستحق أيضا النقد، وإذا كان المغرب مطالبا بالإجابة عن الأدلة المقدمة ضده، فمن المشروع بالقدر نفسه أن تطرح الأسئلة على الشركات الأوروبية والجهات الرقابية والمؤسسات التي تتحرك داخل سوق تقنيات المراقبة. ليست القضية في تبرئة طرف أو إدانة طرف آخر، وإنما في رفض المعيار المزدوج في صناعة الأسئلة نفسها. فالصحافة التي تطالب الدول بالشفافية ينبغي أن تقبل بدورها أن تسأل عن مصادرها، ومنهجيتها، وحدود أدلتها، وما الذي تعرفه يقينا وما الذي تستنتجه.

وفي النهاية، لا تحتاج قضية بيغاسوس إلى مزيد من الضجيج بقدر ما تحتاج إلى مزيد من الدقة. فسمعة أمنستي أو Forbidden Stories لا تجعل استنتاجاتهما فوق النقد، كما أن قوة حضور الصحافة الفرنسية لا تمنح روايتها حصانة من الفحص. المؤسسة الدولية تحترم بقدرتها على توضيح منهجها، والصحافة تقاس بقدرتها على التحقق، والمؤسسات المتهمة تحاسب بما يثبت عليها، لا بما يتكرر عنها. لذلك فإن المعيار الذي يجب أن يبقى في قلب هذا الملف واضحا، كم حلقة من سلسلة الإثبات أمكن توثيقها فعلا. فمن رقم هاتف إلى إصابة محتملة، ومن الإصابة إلى المشغل، ومن المشغل إلى الجهة الآمرة، ومن الجهة الآمرة إلى المسؤولية القانونية، توجد سلسلة كاملة لا يجوز القفز فوق حلقاتها. وما لم تملأ هذه الحلقات بأدلة قابلة للفحص، فإن العنوان، مهما كان صاخبا، يبقى عنوانا، والتقرير، مهما كانت مكانة الجهة التي أصدرته، يبقى تقريرا، أما الحقيقة فلا تصنع بالتكرار، وإنما بما يمكن إثباته

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى