المغرب يفك أزمة استخباراتية شائكة في الساحل.. وساطة المملكة تفضي إلى العفو في مالي عن ضابط بالمخابرات الخارجية الفرنسية

كشفت صحيفة Le Monde الفرنسية أن وساطة مغربية ساهمت في التوصل إلى الإفراج عن الضابط في المديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسية (DGSE)، يان كريستيان برنار فيزيلييه (Yann Christian Bernard Vézilier)، بعدما أصدر الرئيس المالي عاصيمي غويتا، الخميس 13 غشت 2026، عفوا عنه إثر نحو عام من الاعتقال، وبعد إدانته في يونيو الماضي بالسجن عشرين عاما بتهمة المس بأمن الدولة.
وجاء الكشف عن الدور المغربي بالتزامن مع بلاغ رسمي صادر عن حكومة المرحلة الانتقالية في مالي، أعلنت فيه أن غويتا منح، بموجب مرسوم رئاسي مؤرخ في 13 غشت، عفوا رئاسيا للضابط الفرنسي، مع الإبعاد الفوري للمعني بالأمر عن التراب المالي.
ورغم أن البلاغ المالي لم يسم المغرب بالاسم، فإنه حرص على توجيه إشادة خاصة إلى ما وصفه بـ«بلد شقيق»، مؤكدا أن «مساعيه الحميدة»، التي تمت بـ«تكتم وفي احترام صارم لسيادة مالي»، ساهمت في التوصل إلى هذا العفو.
وكشفت Le Monde هوية هذا البلد، إذ نقلت عن مصدر عسكري مالي أن الأمر يتعلق بالمغرب، الذي لعب دورا في المفاوضات المتعلقة بإطلاق سراح فيزيلييه، مستفيدا من العلاقات الجيدة التي يحتفظ بها مع كل من فرنسا ومالي. وأشارت الصحيفة إلى أن الوساطة المغربية تأتي بعد نجاح الرباط سابقا في المساهمة في الإفراج عن أربعة عناصر من الاستخبارات الخارجية الفرنسية كانوا محتجزين في بوركينا فاسو.
ونقلت الصحيفة كذلك عن مسؤول فرنسي كان قد تحدث إليها خلال شهر يونيو قوله، في معرض تقييم فرص التوصل إلى حل للقضية، إن المغرب هو البلد القادر على انتزاع شيء من السلطات المالية، في إشارة إلى خصوصية قنوات التواصل التي يحتفظ بها مع باماكو رغم التحولات السياسية والأمنية التي شهدتها منطقة الساحل.
وكان فيزيلييه قد أوقف في باماكو يوم 14 غشت 2025 من طرف عناصر وكالة الأمن الوطني المالي، بعدما اتهمته السلطات بالمشاركة في محاولة لزعزعة استقرار النظام إلى جانب عدد من الضباط وكبار المسؤولين العسكريين الماليين الذين جرى اعتقالهم بدورهم. كما أشارت Le Monde، نقلا عن مصدر رسمي فرنسي، إلى أن السلطات المالية اتهمته أيضا بالتعاون مع جبهة تحرير أزواد.
وبحسب الصحيفة الفرنسية، كان فيزيلييه، البالغ من العمر 45 عاما، يعمل رسميا بصفة سكرتير ثان في السفارة الفرنسية بباماكو، لكنه كان في الوقت نفسه ضابطا في الـDGSE معتمدا بهذه الصفة لدى السلطات المالية، في إطار تعاون استخباراتي محدود استمر بين الجانبين رغم التدهور الكبير في العلاقات السياسية بين باريس وباماكو خلال السنوات الأخيرة.
وفي 5 يونيو الماضي، أصدرت محكمة مالية في حق الضابط الفرنسي حكما بالسجن عشرين عاما بتهمة «المس بأمن الدولة»، قبل أن يأتي العفو الرئاسي بعد نحو شهرين فقط. ووفق Le Monde، ظلت قضيته طوال أشهر موضع اتصالات ومفاوضات دبلوماسية، في وقت كانت فيه فرنسا تطالب بالإفراج عنه وتعتبر الاتهامات الموجهة إليه غير مؤسسة.
وشددت الحكومة المالية، من جهتها، على أن قرار العفو لا يلغي الوقائع التي اعتبر القضاء المالي أنها ثبتت بموجب الحكم الصادر في القضية، مؤكدة أن المحاكمة جرت، بحسب روايتها، في احترام لحقوق الدفاع ومن دون تدخل، وأن القرار اقترن بالإبعاد الفوري للضابط الفرنسي عن البلاد.
وتكشف Le Monde أن المغرب لم يكن الطرف الوحيد الذي تحرك في هذا الملف. فقد حاولت قطر والإمارات العربية المتحدة التدخل لدى السلطات المالية، كما أثار الرئيس الغاني جون دراماني ماهاما القضية مباشرة مع عاصيمي غويتا في دجنبر 2025، غير أن الرئيس المالي تمسك حينها بضرورة انتظار انتهاء المسطرة القضائية قبل اتخاذ أي قرار.
وتبرز نتيجة هذه الوساطة الموقع الذي بات يحتله المغرب في معالجة بعض أكثر الملفات حساسية في منطقة الساحل. فالرباط تجمع بين علاقات قوية مع فرنسا وقنوات موثوقة مع دول الساحل التي شهدت علاقاتها مع باريس توترات حادة، وهو ما يمنحها قدرة على التحرك في مساحات سياسية وأمنية يصعب على أطراف أخرى الوصول إليها. وتكتسب هذه القدرة أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بملفات مغلقة ذات طبيعة استخباراتية وسيادية، تتطلب الثقة والتكتم وقنوات اتصال تتجاوز الدبلوماسية التقليدية.
وتتعزز هذه الدلالة بسابقة بوركينا فاسو، حيث سبق للوساطة المغربية أن ساهمت في الإفراج عن أربعة عناصر من الـDGSE ظلوا محتجزين لأكثر من عام. ويظهر تكرار اللجوء إلى القناة المغربية في ملفين مرتبطين مباشرة بالاستخبارات الخارجية الفرنسية أن حضور الرباط في الساحل لا يقتصر على العلاقات الدبلوماسية التقليدية، بل يمتد إلى أدوار وساطة في قضايا أمنية بالغة الحساسية، مستفيدة من شبكة علاقات وقدرة على مخاطبة أطراف أصبحت قنوات التواصل بينها وبين باريس محدودة أو شديدة التعقيد.
وبذلك، يكشف الإفراج عن فيزيلييه عن نجاح جديد للوساطة المغربية في منطقة الساحل، هذه المرة في قضية ظلت لنحو عام واحدة من أكثر الملفات الأمنية حساسية بين فرنسا ومالي، وانتهت بإشادة رسمية من باماكو بمساعي «بلد شقيق» تحرك، بحسب البلاغ المالي، بتكتم وفي احترام لسيادة البلاد.



