خطاب العرش.. من ترسيخ الثقة إلى بناء قوة المغرب المستقبلية

لم يكن خطاب العرش لسنة 2026 خطاب مناسبة دستورية عابرة، بل جاء ليؤكد مرة أخرى أن المؤسسة الملكية لا تدير اللحظة السياسية بمنطق ردود الأفعال، وإنما تقود مسارا استراتيجيا متكاملا، تتداخل فيه الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية ضمن رؤية واحدة، غايتها ترسيخ مكانة المغرب كدولة مستقرة، قوية، وقادرة على استباق التحولات الدولية.
لقد اختار جلالة الملك محمد السادس أن يخاطب المغاربة بلغة الواثق من قوة الدولة، لا بلغة الاكتفاء بالمنجز، فجاء الخطاب متوازنا بين الاعتزاز بما تحقق، والإقرار بأن مسيرة التنمية لا تزال تتطلب المزيد من العمل والانضباط والابتكار. وهذا التوازن هو ما يمنح الخطاب قوته السياسية، لأنه يرسخ ثقافة الدولة التي لا تنكر الصعوبات، لكنها ترفض أن تتحول إلى مبرر لليأس أو ذريعة لتعطيل مسار البناء.
ومن يتأمل مضمون الخطاب يدرك أن جلالة الملك لم يكن بصدد عرض حصيلة حكومية أو تقديم أرقام اقتصادية مجردة، وإنما كان يعيد رسم الإطار الفكري الذي ينبغي أن تتحرك داخله الدولة خلال المرحلة المقبلة. فالثقة التي تحدث عنها ليست مفهوما نفسيا أو خطابا معنويا، وإنما ركيزة سياسية وتنموية، لأن الأمم التي تفقد ثقتها في مؤسساتها تفقد تدريجيا قدرتها على الإنتاج والاستثمار وصناعة المستقبل.
وفي هذا السياق، تتجلى الرؤية الملكية باعتبارها رؤية تؤمن بأن التنمية ليست مجرد نمو اقتصادي، بل هي مشروع حضاري متكامل، يقوم على قوة المؤسسات، واستقرار القرار السياسي، وتكامل السياسات العمومية، واستمرار الإصلاح دون انقطاع. لذلك جاء التأكيد على أن المغرب لا يبدأ من الصفر، بل يبني مستقبله على تراكم الإنجازات التي تحققت عبر سنوات من العمل المتواصل.
ولعل أهم ما ميز الخطاب هو أنه نقل النقاش من منطق الاحتفاء بالنتائج إلى منطق صناعة القوة. فحين يتحدث جلالة الملك عن الصناعة، والطاقات المتجددة، والسيادة الغذائية، والأمن المائي، والتكنولوجيا، فإنه لا يتحدث عن قطاعات منفصلة، وإنما عن عناصر مشروع وطني واحد، هدفه بناء اقتصاد يمتلك قراره، ويعزز استقلاله، ويرفع من تنافسية المملكة في عالم لم يعد يعترف إلا بالدول القادرة على الإنتاج والابتكار.
كما كشف الخطاب عن إدراك عميق لطبيعة التحولات الجيوسياسية التي يعرفها العالم. ففي زمن تتزايد فيه الأزمات الدولية، وتتصاعد فيه التوترات الاقتصادية، يصبح الاستقرار الذي ينعم به المغرب مكسبا استراتيجيا لا يقل أهمية عن الثروات الطبيعية. وهذا الاستقرار لم يكن وليد الظروف، وإنما ثمرة رؤية ملكية بعيدة النظر، جعلت من بناء المؤسسات، وترسيخ دولة القانون، وصيانة الوحدة الوطنية، أولويات ثابتة في مسار الدولة المغربية.
ولم يغفل جلالة الملك البعد الاجتماعي، إذ أكد أن قيمة التنمية تقاس بمدى انعكاسها على حياة المواطن. لذلك جاءت الدعوة إلى مواصلة تعزيز الحماية الاجتماعية، وتقليص الفوارق المجالية، وتحسين الخدمات الأساسية، باعتبارها امتدادا طبيعيا للمشروع التنموي الذي يقوده جلالته. فالرؤية الملكية لا تفصل بين الاقتصاد والإنسان، ولا بين الاستثمار والعدالة الاجتماعية، بل تعتبرهما وجهين لمعادلة واحدة.



