تقنديح بنكيران.. بين الخبث وقلة الأدب، يُصرّ على الإبقاء على قلة التوقير للمؤسسة الملكية
لم تكن كلمة “قندوح” مجرد زلة لسان عابرة في خرجة عبد الإله بنكيران بالصويرة. الكلمة كانت فجة، مسيئة، وغير لائقة بمن يفترض أنه رئيس حكومة سابق وأمين عام حزب سياسي. لكنها ليست جوهر الإساءة. جوهر الإساءة أن بنكيران لم يعتذر عن البناء السياسي الذي حمل تلك الكلمة، ولم يتراجع عن المنطق الذي قاده إلى مهاجمة مستشارين لجلالة الملك محمد السادس، بل اكتفى بسحب اللفظ الخشن واحتفظ بكل ما حوله من إيحاءات ورسائل ملغومة. فقد جاء اعتذاره واضحا في محدوديته حين أعلن تمسكه بكل ما قاله في كلمته بمدينة الصويرة باستثناء كلمة “قندوح”، التي قال إنه يسحبها ويعتذر عنها.
في الصويرة، لم يكن بنكيران يناقش قرارا حكوميا، ولا يرد على خصم حزبي، ولا يقدم موقفا سياسيا عاديا. كان يبني تقابلا خطيرا بين جلالة الملك وبين محيطه الاستشاري، كما لو أن هناك أشخاصا “يتخفون وراء الملك” أو يوهمون الآخرين بأن لهم سلطة تضاهي سلطته من خلال عبارات وضع فيها أزولاي والهمة داخل هذا السياق، قبل أن يضيف تلك الكلمة القدحية التي اضطر لاحقا إلى سحبها. غير أن الاعتذار، كما صاغه بنفسه، كشف أكثر مما عالج. فقد اعتذر عن الكلمة، لكنه لم يعتذر عن استهداف المستشارين، ولم يتراجع عن بناء خطاب يوحي بوجود من “يختبئ وراء الملك” أو يمارس نفوذا من داخل ظله.
هذا هو جوهر الخطر في خطاب بنكيران. إنه يختار الطريق الملتوي لمهاجمة المؤسسة الملكية. يتظاهر بالتأكيد على احترام الملك، ثم يفتح الباب أمام التشكيك في محيطه. يعلن أن للمغاربة ملكا واحدا لكنه يستعملها في سياق يراد منه وضع أسماء بعينها في موضع شبهة. هذه ليست جرأة سياسية، بل طريقة محسوبة في دس السم في العسل.
المستشار الملكي ليس زعيما حزبيا ولا فاعلا انتخابيا ولا صاحب سلطة مستقلة خارج ما تسنده إليه المؤسسة التي يعمل داخلها. لذلك، حين يحول بنكيران مستشارين ملكيين إلى مادة للتهييج أمام جمهور حزبي، فهو يضع المؤسسة نفسها أمام إيحاءات خطيرة من خلال التلميح إلى نفوذ غامض، وربط الأسماء بسرديات ملغومة، ثم التراجع فقط عن اللفظ الفج.
الأخطر أن بنكيران يعرف حساسية هذا الباب. يعرف أن الكلام عن محيط الملك ليس تفصيلا عاديا في الحياة السياسية المغربية. ويعرف أن أي إيحاء في هذا المستوى لا يبقى محصورا في قاعة حزبية، بل يتحول إلى مادة قابلة للاستعمال من طرف خصوم الدولة وسرديات التشكيك. ومع ذلك، يكرر الأسلوب نفسه. يتكلم بحماسة، يضغط على الرموز، يخلط الولاء بالإيحاء، ثم حين تشتعل العاصفة يتراجع عن كلمة ويحتفظ بالباقي.
ولهذا لا يمكن التعامل مع ما وقع في الصويرة كما لو أنه انفعال عابر. بنكيران راكم، على امتداد سنوات، طريقة خبيثة في الكلام عن المؤسسة الملكية. يكثر من استدعاء اسم الملك في خطاباته، ويحب أن يظهر في موقع من يفهم نوايا الملك أكثر من غيره، أو من يدافع عنه، أو من يكشف للناس ما لا يرونه. هذه لعبة خطيرة يحاول من خلالها أن يمنح لنفسه موقعا أكبر من حجمه الحقيقي.
شهادة مصطفى الرميد في برنامج “الشاهد” كانت مهمة في هذا السياق، لأنها لم تقدم الأمر كحادثة معزولة. الرميد تحدث عن انزعاج ملكي سابق وفي أكثر من مناسبة من طريقة بنكيران في الكلام، وعن لوم وعتاب وصله بسبب إقحام المؤسسة الملكية في تصريحاته. أهمية هذه الشهادة أنها صادرة عن قيادي سابق من داخل نفس البيت السياسي، وعن شخص عايش تلك المرحلة من موقع قريب، وليست صادرة عن خصم حزبي يريد تصفية حساب عابر. معنى ذلك أن المشكلة ليست جديدة، وأن الرجل نُبه من قبل إلى خطورة هذا الأسلوب، لكنه واصل السير فيه.
حين يصل الأمر إلى أن يتحدث قيادي من وزن الرميد عن عتاب ملكي متكرر بسبب طريقة بنكيران في الكلام، فإن عذر العفوية يسقط. لا يعود ممكنا القول إن الرجل لا ينتبه إلى أثر كلماته. لا يعود ممكنا اختزال الأمر في “زلة” أو “سوء تعبير”. السياسي الذي نُبه أكثر من مرة، ثم يعود إلى الباب نفسه، لا يخطئ فقط في العبارة، بل يختار الاستمرار في النهج.
وهنا تصبح خرجة الصويرة امتدادا طبيعيا لهذا المسار. بنكيران لم يتعلم من موجات الغضب السابقة، ولم يضبط لغته بما يليق بمن تولى رئاسة الحكومة، ولم يستوعب أن المؤسسة الملكية ليست مادة للخطابة الحزبية ولا جسرا لتصفية الحسابات. بدل ذلك، واصل استعمال القاموس نفسه تقريبا، حيث الملك في الأعلى عنوان للتبجيل، والمحيط الملكي في الأسفل مادة للتشكيك. هذا التقسيم في حد ذاته خبيث، لأنه يعمد إلى زرع الشك في المؤسسة الملكية نفسها.
ثم جاء الاعتذار ليؤكد أن الخلل أعمق من الكلمة. لو كان بنكيران مدركا فعلا لخطورة ما قاله، لاعتذر عن الطريقة كلها، لا عن لفظ واحد. كان يمكنه أن يقول إن إدخال مستشارين ملكيين في خطاب حزبي انفعالي لم يكن موفقا. كان يمكنه أن يسحب الإيحاءات التي فهمت من كلامه. لكنه فعل العكس تماما. قال إنه يتمسك بكل ما قاله، باستثناء كلمة واحدة.
المشكلة، إذن، ليست في “قندوح” وحدها. الكلمة كانت قبيحة، لكن ما وراءها أخطر. وراءها عقل سياسي يظن أن بإمكانه اللعب على الحبلين، وأن يظهر وفيا للمؤسسة الملكية وهو يطعن في محيطها، وأن يطلب التصفيق باسم الملك ثم يلمح إلى أن هناك من يتحرك وراءه أو باسمه. هذه شعبوية خبيثة متقدمة في السن، ما زالت تشتغل بالأساليب نفسها.
المغاربة لا يحتاجون إلى من يشرح لهم مكانة الملك في الدولة، ولا إلى من يحول التوقير إلى منصة للغمز واللمز. المؤسسة الملكية أكبر من أن تتحول إلى أداة في خطاب حزبي، وأرفع من أن توضع في تقابل مصطنع مع مستشاريها. من يريد الاعتذار فليعتذر عن أصل الإساءة، لا عن الكلمة التي فضحتها فقط.
اعتذار بنكيران ناقص، لأنه لم يسحب المعنى الذي حمل الإساءة. لقد سحب قلة الأدب في العبارة، وأبقى على قلة التوقير في المعنى. وهذه هي الحقيقة التي لا ينبغي دفنها تحت بلاغ مقتضب. فالسياسة ليست فقط ما يقال، بل أيضا الطريقة التي يقال بها، وبنكيران يعرف جيدا أن طريقته في هذا الباب لم تعد تحتمل أي تبرير.



