الحروب الهجينة… حين يتخيل فرسان “التضليل” أنهم يقودون التاريخ

ثمة مفارقة تستحق أن تُدرّس في كليات العلوم السياسية: كلما عجز بعض هواة العبث عن بناء فكرة، أعلنوا الحرب على فكرة الدولة نفسها. وكلما فشلوا في إقناع العقول، قرروا محاصرة سمعة المؤسسات. وحين تعجزهم الوقائع، يفتحون مصنعا متواضعا لإنتاج الأكاذيب بالجملة، وكأن الحقيقة يمكن أن تُهزم بعدد المشاهدات.
هكذا تعمل بعض مصانع الحروب الهجينة؛ ليست مصانع للمعرفة، بل ورشات لإعادة تدوير الشائعات. يدخل إليها الخبر ناقصا، ويخرج منها أسطورة كاملة، مزينة بالمؤثرات الصوتية، ومرفقة بعنوان يبدأ عادة بعبارة: “الحقائق التي لا يريدونك أن تعرفها”، بينما الحقيقة الوحيدة التي لا يريد أصحابها الاعتراف بها هي أنهم لم يجدوا ما يبيعونه سوى الضجيج.
إنهم يشبهون ذلك الممثل الذي يؤدي دور البطولة أمام مسرح خال من الجمهور، ثم يقنع نفسه بأن التصفيق لم يُسمع بسبب مؤامرة كونية.
في قاموس الحروب الهجينة، لا تُقاس المصداقية بالدليل، وإنما بسرعة الانتشار. فكلما كانت الرواية أكثر غرابة، كانت ـ في نظر أصحابهاـ أكثر قابلية للتصديق. أما الوثائق، فهي مجرد تفصيل مزعج، والبرهان عبء ثقيل، والتدقيق عدو لدود يجب التخلص منه قبل أن يفسد متعة الخيال.
إنها مدرسة تؤمن بأن تكرار الكذبة لا يجعلها حقيقة، لكنه على الأقل يمنح صاحبها شعورا مؤقتا بأنه يؤدي عملا تاريخيا، حتى وإن كان التاريخ نفسه قد شطب اسمه قبل أن يبدأ.
والأطرف من ذلك أن هؤلاء يتحدثون عن إسقاط الدول كما يتحدث طفل عن هدم جبل بملعقة بلاستيكية. يرفعون سقف الشعارات إلى السماء، ثم يعجزون عن رفع مستوى الدليل فوق الحد الأدنى من المنطق. يعلنون كل أسبوع عن “الضربة القاضية”، فإذا بالأسبوع التالي يتحول إلى مؤتمر صحفي لتبرير أسباب عدم سقوط العالم كما توقعوا.
إنها مأساة تلبس قناع الكوميديا.
فالحروب الهجينة لا تحتاج إلى جيوش جرارة بقدر ما تحتاج إلى فائض من الثقة بالنفس، وقليل من المعرفة، وكثير من الخيال. ولهذا يبدو بعض محترفيها وكأنهم يظنون أن الدول تُدار بالطريقة نفسها التي تُدار بها صفحات الإثارة على المنصات الرقمية؛ يكفي عنوان صاخب، وصورة مفبركة، وبعض علامات التعجب، حتى تنهار المؤسسات وتُطوى صفحات التاريخ.
لكن الدول، للأسف بالنسبة لهم، أكثر عنادًا من خوارزميات المنصات.
فالمؤسسات التي بنت خبراتها عبر عقود لا ترتبك بسبب وسمٍ رائج لساعات، ولا يعصف بها مقطع مصور أُنتج على عجل، ولا تتداعى لأن أحدهم قرر أن يمنح نفسه لقب “كاشف الأسرار” بعد أن عجز عن كشف حقيقة واحدة يمكن التحقق منها.
ولذلك تتحول كثير من حملات التضليل إلى ما يشبه العروض الكوميدية طويلة الأمد؛ تبدأ بوعد مدوٍّ، وتنتهي باعتذار غير مباشر عن نبوءة لم تتحقق. وبين البداية والنهاية يعيش الجمهور موسما جديدا من الإثارة المجانية، قبل أن ينتقل صناع الضجيج إلى “الفضيحة الكبرى” التالية، التي تكون غالبا أقل إقناعا وأكثر صخبا.
إن أكثر ما يثير السخرية في هذه الصناعة أنها تتغذى على وهم البطولة. فصاحب الشائعة لا يرى نفسه مروجًا للتضليل، بل يتخيل أنه يقود ثورة كونية ضد العالم بأسره. وكلما انكشف تناقض رواياته، اعتبر ذلك دليلا إضافيا على أنه “اقترب من الحقيقة”. إنها نظرية فريدة تجعل الفشل برهانا على النجاح، والتكذيب دليلا على الصواب، وانعدام الأدلة أقوى الأدلة.
أي منطق أكثر شاعرية من هذا؟
غير أن الواقع، وهو كاتب ساخر لا يمل من السخرية، يواصل إفساد المسرحية. فالدول لا تُقاس بعمر الوسوم، ولا المؤسسات بمدة تداول المقاطع القصيرة، ولا الثقة العامة بعدد الحسابات الوهمية. والرهان على إنهاك المجتمعات عبر الضجيج الرقمي يصطدم في النهاية بحقيقة بسيطة: قد تنتشر الشائعة بسرعة، لكنها تستهلك نفسها بالسرعة نفسها حين تعجز عن التحول إلى واقع.
وهكذا يبقى صناع الحروب الهجينة أسرى مفارقة لا يملون تكرارها: يبذلون جهدا هائلا لإقناع الناس بأنهم يهزمون الدول، بينما أكبر إنجاز يحققونه هو رفع معدل استهلاك الإنترنت لبضع ساعات.
وفي النهاية، يكتشفون ـ بعد كل هذا الصخب ـ أن الدولة ما زالت تمارس وظائفها، والمؤسسات ما زالت تؤدي واجباتها، والمجتمع ما زال يفرّق، ولو بعد حين، بين النقد المسؤول وبين صناعة الأوهام.
وهنا تبلغ الكوميديا السوداء ذروتها: يقضي مهندسو الفوضى سنوات وهم يحاولون كتابة الفصل الأخير في قصة سقوط الدول، فإذا بهم لا يكتبون سوى هامش باهت في كتاب طويل عنوانه: “كيف يهزم الواقع الخيال كل يوم”.



