الأمن الوطني في ذكراه السبعين.. مؤسسة عريقة ترسخ نموذجا مغربيا رائدا وتواصل مسار التحديث والانفتاح

تحل غدا السبت، 16 ماي، الذكرى السبعون لتأسيس الأمن الوطني، في محطة لا تختزل فقط ذاكرة مؤسسة أمنية رافقت بناء الدولة الوطنية منذ 16 ماي 1956، بل تبرز أيضا حجم التحول الذي عرفه المرفق الشرطي المغربي خلال العقود الأخيرة، على مستوى حماية أمن الوطن والمواطنين، وتحديث بنياته، وتطوير خدماته، وتعزيز حضوره كفاعل مؤسساتي مركزي في منظومة الأمن والاستقرار.

وتأتي هذه الذكرى في سياق يتواصل فيه تنزيل جيل جديد من الإصلاحات داخل المديرية العامة للأمن الوطني، وهي إصلاحات لا تقف عند حدود تحديث التجهيزات أو عصرنة وسائل العمل، بل تمتد إلى إعادة بناء مفهوم الوظيفة الشرطية نفسها، من خلال ترسيخ الحكامة الأمنية الرشيدة، وتقوية شرطة القرب، وتكريس البعد الخدماتي، وتطوير آليات الإنتاج المشترك للأمن، بما يجعل المواطن في صلب فلسفة العمل الأمني.

ومنذ تأسيسه، ظل جهاز الأمن الوطني حريصا على مواكبة التحولات التي عرفتها الجريمة والتهديدات الأمنية، من خلال الجمع بين الحضور الميداني، واليقظة الاستباقية، والاستثمار في العنصر البشري، وتحديث البنيات التقنية واللوجستية للوحدات الأمنية. وقد مكن هذا المسار المؤسسة من الانتقال التدريجي من نموذج أمني تقليدي إلى منظومة حديثة قادرة على التفاعل مع الجريمة العادية، والجريمة المنظمة، والتهديدات الرقمية، ومختلف المخاطر العابرة للحدود.

وفي هذا الإطار، واصلت المديرية العامة للأمن الوطني خلال سنة 2025 تنزيل إصلاحات موجهة لخدمة أمن المواطن وتجويد الخدمات الشرطية، عبر الدفع بالتحول الرقمي، وتوسيع الاعتماد على التكنولوجيات الحديثة، وتعزيز جاهزية الوحدات الميدانية، وتطوير آليات تدبير الحياة المهنية لموظفات وموظفي الأمن الوطني. وهي اختيارات تؤكد أن التحديث داخل المؤسسة لا يتم بمنطق تقني صرف، بل ضمن تصور شامل يربط النجاعة الأمنية بجودة الخدمة، وحماية الحقوق، وتعزيز الثقة.

وعلى مستوى التكوين، باعتباره أحد الأعمدة الأساسية لبناء جهاز أمني مؤهل، شهدت سنة 2025 افتتاح مدرسة جديدة للتكوين الشرطي بمدينة مراكش، في سياق دعم الأقطاب الجهوية لمدارس التدريب الأمني، في انتظار افتتاح مدرسة مماثلة بمدينة الدار البيضاء. ويعكس هذا التوجه إدراكا واضحا بأن الرهان على الموارد البشرية لم يعد مسألة داخلية تخص الإدارة فقط، بل أصبح جزءا من قدرة المؤسسة الأمنية على مواكبة تعقيد الجريمة وتنوع انتظارات المجتمع.

كما تميزت السنة نفسها بتكثيف مخططات تقريب البطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية من المواطنات والمواطنين بمختلف مناطق المملكة، في إطار الحرص على تعميم الاستفادة من الجيل الجديد من الوثائق التعريفية. ويعكس هذا الورش جانبا مهما من التحول الخدماتي داخل الأمن الوطني، حيث لم يعد المرفق الشرطي مرتبطا فقط بتدبير الأمن بالمعنى الضيق، بل أصبح جزءا من منظومة إدارية حديثة تسعى إلى تبسيط الولوج إلى الخدمات العمومية.

وفي مجال السير الطرقي والسلامة المرورية، تم استكمال تعميم النظام المعلوماتي الخاص برقمنة محاضر حوادث السير على مجموع القيادات الأمنية، بما يسمح بتسريع معالجة الملفات، وتحسين جودة المعطيات، واستخلاص المؤشرات المرتبطة بحوادث السير بشكل آلي. وتكتسي هذه الخطوة أهمية عملية، لأنها توفر قاعدة بيانات دقيقة يمكن استثمارها في بناء سياسات أكثر فعالية في مجال السلامة الطرقية.

أما في مجال مكافحة الجريمة، فقد واصلت المديرية العامة للأمن الوطني تنفيذ مضامين الاستراتيجية الأمنية المرحلية للفترة الممتدة بين 2022 و2026، من خلال تقوية بنيات مكافحة الجريمة، وتطوير مختبرات الشرطة العلمية والتقنية، وتعزيز الاستخدام المنهجي لآليات الاستعلام الجنائي والدعم التقني في الأبحاث، مع ترسيخ البعد الحقوقي في مختلف مراحل التدخل الشرطي، خصوصا خلال البحث التمهيدي وتدبير حالات تقييد الحرية قبل المحاكمة.

وقد عكست المؤشرات الرقمية لسنة 2025 هذا المسار، بعدما استقر عدد القضايا الزجرية المسجلة في حدود 779 ألفا و08 قضايا، مقابل تسجيل تراجع ملحوظ بنسبة 10 في المائة في مؤشرات الجريمة العنيفة التي تمس مباشرة بالإحساس العام بالأمن. ويمنح هذا المعطى دلالة خاصة، لأنه لا يتعلق فقط بحجم القضايا المعالجة، بل بمستوى القدرة على التحكم في الجرائم الأكثر تأثيرا على شعور المواطن بالأمان.

وعلى المستوى الدولي، شكل احتضان المغرب للدورة 93 للجمعية العامة للإنتربول خلال سنة 2025 محطة بارزة في مسار تكريس مصداقية النموذج الأمني المغربي. فقد عكس هذا الحدث الثقة التي تحظى بها المملكة لدى الشركاء الدوليين، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، كما أبرز مكانة المؤسسات الأمنية المغربية وخبرتها في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود، وفي بناء شراكات أمنية قائمة على الفعالية والجدية.

وفي الجانب المهني والاجتماعي، عرفت سنة 2025 تسريع تنزيل مقتضيات الميثاق الجديد للتوظيف والتكوين الشرطي، مع الرفع من عدد موظفات وموظفي الشرطة الجدد الذين تم استدعاؤهم للتداريب الأساسية بالمعهد الملكي للشرطة والمدارس التابعة له. كما واصلت مصالح الأمن الوطني تدعيم إجراءات التحفيز الوظيفي، من خلال مقاربة تضع موظف الشرطة في صلب عملية الإصلاح، سواء عبر آليات الدعم والتحفيز، أو عبر توفير فضاء مهني سليم يضمن الاستقرار والأمن الوظيفي.

وفي موازاة ذلك، واصلت المديرية العامة للأمن الوطني تعزيز سياسة الانفتاح المرفقي وتقوية التواصل مع المحيط المجتمعي ووسائل الإعلام، انطلاقا من قناعة واضحة بأن الأمن لم يعد ينتج داخل المؤسسة وحدها، بل يتطلب شراكة مستمرة مع المواطن والفاعلين المؤسساتيين والمجتمعيين. ومن هنا يكتسب مفهوم الشرطة المواطنة معناه العملي، باعتباره انتقالا من منطق السلطة الأمنية المغلقة إلى منطق الخدمة العمومية القريبة والمنفتحة والمسؤولة.

وقد برز هذا التوجه أيضا من خلال تنويع أشكال التواصل الأمني واعتماد مقاربات أكثر تشاركية خلال سنة 2025، بما ينسجم مع فلسفة جديدة تجعل خدمة المواطن الهدف الأول للمرفق الشرطي. فالأمن، في هذا التصور، ليس مجرد تدخل عند وقوع الجريمة، بل هو بناء يومي للثقة، وتفاعل مستمر مع انتظارات المجتمع، وقدرة على الإصغاء والتكيف مع التحولات.

وهكذا، تشكل الذكرى السبعون لتأسيس الأمن الوطني مناسبة لاستحضار مسار مؤسسة عريقة ظلت في قلب معادلة الاستقرار، لكنها أيضا فرصة لقراءة تحول أعمق عرفته هذه المؤسسة في اتجاه تحديث شامل يربط بين النجاعة الأمنية، وحماية الحقوق، وجودة الخدمات، والانفتاح على المواطن. ومن هنا يستمد الأمن الوطني احترام وتقدير المغاربة وشركاء المملكة، باعتباره مؤسسة أثبتت قدرتها على حماية الأمن العام، ومواكبة التحولات، وتعزيز صورة المغرب كبلد يمتلك تجربة أمنية رصينة وذات مصداقية وطنيا ودوليا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى