الدبلوماسية الأمنية المغربية خلال 2026.. حموشي يرسم خريطة شراكات جديدة ويمد التعاون إلى دوائر أكثر استراتيجية

منذ مطلع 2026، أخذ التعاون الأمني المغربي يتصدر دوائر أكثر استراتيجية غير تقليدية. لم تعد واجهته الخارجية تختزل في التنسيق حول الإرهاب والجريمة المنظمة فقط، بل بدأت تظهر فيها ملفات أكثر تخصصا، وشركاء جدد، وصيغ تعاون أكثر تماسكا.

في هذا السياق، برز حضور عبد اللطيف حموشي على رأس القطب الأمني الذي يضم المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، داخل حركية توزعت بين محطات ثنائية ومتعددة الأطراف، وبين فضاءات شرطية واستخباراتية وأخرى ترتبط بالتكنولوجيا والصناعات الأمنية. ما يلفت في هذه الحركية ليس عدد اللقاءات بقدر ما يلفت نوعها، ومستوى الشركاء الذين شملتهم، وطبيعة الموضوعات التي باتت تتقدم داخل أجندة التعاون.

أكثر المحطات دلالة في هذا المسار كانت السويد. الزيارة التي قام بها حموشي يومي 20 و21 أبريل أفضت إلى توقيع مذكرة تفاهم بين القطب الأمني المغربي والشرطة السويدية. الوثيقة لم تتوقف عند العناوين المعهودة، بل شملت تبادل الخبرات والتجارب والممارسات الفضلى في المجال الشرطي، والتنسيق في قضايا الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية والجريمة السيبرانية.

وارتبطت الزيارة أيضا باقتراح انضمام المغرب إلى الشبكة الأوروبية للبحث عن الأشخاص المبحوث عنهم. في هذه المحطة، بدا أن التعاون مع شريك أوروبي انتقل من مستوى الاتصال والتشاور إلى مستوى أقرب إلى الربط العملي بآليات تنسيق متخصصة، وهو ما يمنح ملف الجريمة السيبرانية ومجال البحث الأمني المشترك وزنا أكبر داخل خريطة التعاون لهذا العام.

قبل السويد، كانت الرياض قد فتحت واجهة أخرى داخل هذا المسار. خلال الفترة ما بين 8 و12 فبراير، شارك حموشي في النسخة الثالثة من معرض الدفاع العالمي بالسعودية بدعوة من رئيس أمن الدولة السعودي. المعطيات المنشورة حول الزيارة أبرزت الاطلاع على أحدث التطورات التقنية في مجالات الأمن والدفاع، وبحث تطوير التعاون الأمني والاستخباراتي وتعزيز المساعدة التقنية المتبادلة.

هذه المحطة لا تبدو مجرد مشاركة في حدث دولي كبير، لأن البيئة نفسها كانت كاشفة. فحين ينتقل التعاون الأمني إلى فضاء تجتمع فيه الحلول الدفاعية والأنظمة الذكية والتجهيزات الحديثة، يصبح واضحا أن البعد التقني لم يعد ملحقا ثانويا، بل صار جزءا من صلب المحادثات مع بعض الشركاء. هذا ما سيعود بقوة لاحقا في محطة تركيا.

الرباط بدورها لم تكن مجرد محطة داخلية بين زيارتين خارجيتين، بل كانت فضاء يختبر فيه هذا التعاون وجها آخر. في 30 مارس، استقبل حموشي المفتش العام للشرطة بجمهورية ليبيريا، وركز اللقاء على تطوير التعاون الثنائي مع إبداء اهتمام ليبيري مباشر بالاستفادة من التجربة المغربية في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وتطوير الشرطة العلمية والتقنية، مع التوقف عند نماذج اشتغال مثل المكتب المركزي للأبحاث القضائية والفرقة الوطنية للشرطة القضائية.

في اليوم الموالي، استقبل سفير سلطنة عمان المعتمد بالرباط، حيث جرى بحث تعزيز التعاون في مختلف المجالات الأمنية والشرطية. وبعد ذلك بأيام، استقبل الوزير المنتدب لدى الوزير الأول البولوني المكلف بالتنسيق بين المصالح الأمنية والأجهزة الخاصة.

هذه اللقاءات الثلاثة لا تجمعها الجغرافيا فقط، بل يكشف كل واحد منها مدخلا مختلفا للعلاقة مع المغرب: طلب للاستفادة من خبرة ميدانية ومؤسساتية في الحالة الإفريقية، توسيع لقنوات التعاون في الحالة الخليجية، ورفع لمستوى التنسيق مع شريك أوروبي في الحالة البولونية.

ومن هذه الزاوية، يبدو أن 2026 لا تتحرك على خط واحد. في إفريقيا، يحضر المغرب بوصفه صاحب تجربة مطلوبة في ملفات مكافحة الإرهاب والبحث الجنائي وتطوير البنيات الشرطية. في أوروبا، تتقدم ملفات أكثر حساسية، تشمل الجريمة السيبرانية، وآليات البحث والتعقب، ودوائر التنسيق المرتبطة بالأمن القاري.

وفي الفضاء الخليجي، يظهر عنصر آخر يتصل بتبادل الخبرة الأمنية والتقنية في بيئة تعرف تحولات متسارعة في أدوات الرصد والحماية واليقظة. هذا التمايز في مداخل التعاون يضفي على خريطة 2026 طابعا أكثر تركيبا، لأن كل شراكة تتحرك داخل منطقها الخاص، لكن ضمن صورة عامة واحدة عنوانها اتساع مجالات التعاون الأمني المغربي وتنوع وظائفه.

محطة فيينا أضافت بعدا آخر. بين 5 و7 ماي، شارك حموشي على رأس وفد أمني هام في الاجتماع الجهوي الثالث والعشرين لرؤساء أجهزة الاستخبارات والأمن في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، المنظم تحت إشراف الأمم المتحدة. جدول الأعمال شمل الإرهاب والتطرف العنيف والهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر والجريمة المنظمة العابرة للحدود وغسل الأموال.

في هذا المستوى من الاجتماعات، لا يتعلق الأمر فقط بحضور دولة داخل منتدى دولي، بل بدخول المؤسسة الأمنية إلى فضاء متعدد الأطراف تتحرك داخله معايير الثقة وتبادل المعطيات وتقدير المخاطر على نطاق إقليمي أوسع. كما أن البلاغ الرسمي أشار إلى أن حموشي تقاسم خلال الاجتماع نموذج المصالح الأمنية المغربية المندمج ومتعدد المحاور في مكافحة الإرهاب والتطرف، وهو ما يبين أن الحضور المغربي لم يكن محصورا في التلقي أو التشاور، بل شمل أيضا عرض مقاربة عمل راكمت حضورا خارجيا خلال السنوات الأخيرة.

إسطنبول، التي تلت فيينا مباشرة يومي 7 و8 ماي، أعادت وصل هذا المسار بالبعدين التقني والاستخباراتي معا. الزيارة تمت بدعوة من المدير العام للشرطة الوطنية التركية، وشملت لقاء مع رئيس هيئة الاستخبارات الوطنية التركية إبراهيم كالين، ومباحثات مع نائب رئيس الهيئة حسين أفاسار، إلى جانب حضور فعاليات النسخة الخامسة من معرض SAHA 2026 للصناعات الدفاعية والطيران والفضاء.

هذه المحطة وسعت زاوية النظر إلى التعاون القائم مع تركيا، لأن الملف لم يبق محصورا في التنسيق الأمني والاستخباراتي المباشر، بل دخل أيضا إلى بيئة ترتبط بالصناعات الدفاعية والتجهيزات والابتكار.

ومع جمع هذه المحطة إلى الرياض والسويد، تتشكل صورة أكثر اكتمالا عن أحد أبرز خطوط 2026: دخول التكنولوجيا الأمنية، والجريمة السيبرانية، والبنى الشبكية المتخصصة إلى واجهة التعاون بشكل أوضح من السابق.

ما تكشفه هذه المحطات مجتمعة هو أن 2026 لم تأت لتعلن قطيعة مع ما سبقها، بل لتوضح اتجاهه. السنوات الأخيرة كانت قد رسخت موقع القطب الأمني المغربي داخل التعاون الخارجي، لكن الأشهر الأولى من هذا العام أبرزت تغييرا في خريطة الشركاء، ورفعت بعض العلاقات إلى صيغ أكثر تأطيرا، ودفعت بملفات جديدة إلى الواجهة.

هذا ما يجعل قراءة الدبلوماسية الأمنية المغربية اليوم أقرب إلى قراءة في كيفية توزيع الأدوار والرهانات داخل شبكة تعاون تتسع بهدوء، وتتفرع بين أوروبا وإفريقيا والخليج وتركيا، وبين الأمن الميداني والأمن الرقمي والمنتديات متعددة الأطراف. وبهذا تكون سنة 2026 قدمت صورة أكثر وضوحا عن شكل هذا الحضور وطبيعة أولوياته في المرحلة الحالية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى