حميد المهداوي يتجاوز الخطوط الحمراء و يتطاول على المؤسسة الأمنية
إن أخطر ما يمكن أن يطبع النقاش العمومي في أي مجتمع هو الانزلاق إلى خطاب التشكيك المجاني في مؤسساته السيادية، خصوصا حين يصدر ذلك من اليوتوبر حميد المهداوي الذي ظل لسنوات يقدم نفسه في صورة المدافع عن هذه المؤسسات والداعم لجهودها.
لقد دأب حميد المهداوي في أغلب حلقات برنامجه على التأكيد بأنه يساند المؤسسة الأمنية الوطنية ويكنّ لها الاحترام، ويقدر رجالاتها، وفي مقدمتهم المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، عبد اللطيف حموشي، غير أن ما صدر عنه مؤخرا يشي بتحول مريب في النبرة والمضمون، حيث مرر مغالطات خطيرة، وأطلق اتهامات تمس بمصداقية أجهزة سيادية تضطلع بأدوار دقيقة وحساسة في حماية أمن الدولة وصون استقرار المجتمع.
إن التعرض المباشر لشخصية بحجم المسؤول الأول عن جهازي الأمن الوطني و المخابرات الداخلية، ومحاولة التقليل من حجم المسؤوليات الجسيمة التي يتحملها، لا يمكن فصله عن سياق أوسع يتسم بتنامي خطاب الإثارة والتشكيك.
فالمؤسسة الأمنية ليست مجرد إدارة عمومية عادية، وإنما ركيزة من ركائز الدولة، تشتغل في صمت، وتتحمل عبء مواجهة الجريمة المنظمة والإرهاب إضافة إلى مختلف التهديدات التي قد تطال الوطن والمواطنين، إذ أن تبخيس هذا العمل المتراكم لا يخدم سوى من يسعى إلى زعزعة الثقة في مؤسسات البلاد.
الأكثر إثارة للاستغراب هو إصرار المهداوي على إقحام اسم عبد اللطيف حموشي في كل قضية يكون طرفا فيها سواء كان ذلك في متابعته القضائية مع وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، أو عبر انتقاده في مقال بإحدى الصحف الإلكترونية الوطنية.
إن الخلطة العجيبة التي ألقى بها اليوتوبر حميد المهداوي و التي تمزج بين الخلافات السياسية أو الإعلامية وبين مؤسسات الدولة السيادية يمكنها فتح الباب أمام تأويلات خطيرة كما من شأنها تحوير النقاش من مستوى الاختلاف المشروع إلى مستوى المساس بهيبة مؤسسات يفترض أن تبقى بمنأى عن الحسابات الضيقة.
فاستهداف المؤسسات السيادية عبر منصات التواصل الاجتماعي، وتوظيفها كفضاء لترويج الإشاعات أو الأخبار غير الدقيقة، يسيء إلى مسار طويل من الإصلاح والتحديث الذي عرفه المرفق الأمني خلال السنوات الماضية، إذ من غير المقبول أن يُختزل هذا البناء المتراكم في تدوينة أو تصريح عابر، أو أن يُتخذ مادة للضغط أو المزايدة.
أما وصف موقع صحفي بأنه “ناطق باسم البوليس”، ففيه قدر كبير من التجني وعدم الدقة، فالمؤسسة الأمنية المغربية تعتمد آليات تواصل واضحة ومحددة، ولها ناطق رسمي معتمد لدى وسائل الإعلام وهو المراقب العام بوبكر سبيك، الذي يتولى تقديم المعطيات الرسمية في القضايا ذات الصلة بالشأن الأمني، وبالتالي فإن الجمع بين العمل الصحفي المستقل وبين الصفة الرسمية الأمنية يؤذي المهنية الإعلامية كما يضر التنظيم المؤسساتي القائم.
و عليه فإن الاختلاف في الرأي ظاهرة صحية في المجتمعات الحية، غير أن ذلك يظل مشروطا بالتحري والدقة واستحضار حس المسؤولية، فحين يتعلق الأمر بمؤسسات سيادية، يصبح لزاما أن يُوزن الكلام بميزان المصلحة الوطنية، وأن يتم الإيمان بمبدأ أن الثقة في مؤسسات الأمن ليست امتيازا لها، بل هي عنصر أساسي في استقرار الدولة وتماسكها.




