من الملاعب إلى موازين القوة: جريدة “الأحد” الفرنسية تقرأ “كان 2025” بين قوة المغرب و تراجع الجزائر

لم يكن كأس إفريقيا للأمم 2025، الدائرة أطواره حاليا بالمغرب، مجرد تظاهرة رياضية عابرة، بل تحول – كما جاء في مقال جريدة “الأحد” الفرنسية بعنوان “نجاح مغربي يسلّط الضوء على تأخر الجزائري” – إلى لحظة كاشفة لتحولات أعمق تمس موازين القوة والقدرة في الفضاء المغاربي والإفريقي على حد سواء. فالمقال، الذي وقّعه غابرييل روبان، لا يتوقف عند نتائج المباريات، بل يقرأ البطولة بوصفها مؤشرا على صعود نموذج وتعثر آخر.
تشير الجريدة الفرنسية إلى أن المغرب نجح في تحويل تنظيم “الكان” إلى ما يشبه عرض عملي لقوة ناشئة، قادرة على الجمع بين الرياضة والدبلوماسية والاقتصاد في مشهد واحد. فالتنظيم المحكم، والبنية التحتية الحديثة، وجودة الاستقبال، كلها عناصر لم تُقدَّم في المقال باعتبارها صدفة، بل نتيجة مسار طويل من الاستثمار في الدولة كجهاز وفي الصورة كأداة تأثير.
واستنادا دائما لمضمون المقال، فإن كرة القدم لم تعد في عصرنا هذا لعبة فقط، بل أداة نفوذ، وهو ما يفسر – بحسب الكاتب – استثمارات دول مثل قطر في الأندية الكبرى على غرار باريس سان جيرمان، وحرص قوى عالمية على احتضان التظاهرات الرياضية. ومن هذا المنظور، يرى المقال أن المغرب فهم مبكرا هذه القاعدة الجديدة، وتعامل مع كأس إفريقيا 2025 بوصفه امتحان للقدرة على التنفيذ لا يقل أهمية عن أي اختبار اقتصادي أو دبلوماسي.
وأشار ذات المصدر إلى أن نجاح التنظيم لم يكن معزولا عن السياق الكروي العام للمملكة، التي باتت، حسب تعبير المقال، “أمة كروية قائدة في إفريقيا”، بعد الإنجاز التاريخي في كأس العالم، وتزايد حضور لاعبيها في كبريات الدوريات الأوروبية. هذا التراكم، كما يوضح المقال، جعل من المغرب حالة مختلفة عن كثير من البلدان الإفريقية التي تملك الموهبة لكنها تفتقر إلى الإطار المؤسسي الحاضن.
في المقابل، لا يخفي المقال الفرنسي نبرته النقدية إزاء الوضع الجزائري، معتبرا أن الخروج الرياضي المخيب لا يمثل سوى وجه من أوجه أزمة أعمق. فالمقارنة ليست قاسية بسبب النتيجة الرياضية فقط، بل لأن الفجوة باتت واضحة بين خطاب القوة الذي ترفعه الجزائر، وقدرتها الفعلية على تحويل الإمكانات إلى إنجازات ملموسة، سواء في الرياضة أو في مجالات أخرى.
ومن أكثر النقاط دلالة التي توقف عندها المقال، مسألة الاستقبال المغربي للجماهير والمنتخب الجزائري على نحو أمثل، رغم القطيعة الدبلوماسية بين البلدين منذ 2021. فبحسب ما أوردته الصحيفة، فإن هذا السلوك لم يكن تفصيلا ثانويا، بقدر ما هو رسالة سياسية ناعمة، تؤكد أن الرباط تراهن على صورة الدولة الواثقة، التي تفصل بين الخلاف السياسي وواجب الضيافة، بل وتحوله إلى رافعة أخلاقية ودبلوماسية.
ويمضي المقال الفرنسي مسترسلا إلى أبعد من كرة القدم، رابطا هذا النجاح التنظيمي بالمسار الاقتصادي والصناعي للمغرب، مذكّرا بالأرقام القياسية لصادرات السيارات، وبصعود المملكة إلى موقع أول مُصدر إفريقي في هذا القطاع، إضافة إلى تمدد استثماراتها داخل القارة. وفي نظر كاتب المقال، فإن هذه المعطيات تشكل الخلفية الصلبة التي تجعل من نجاح “الكان” نتيجة منطقية، لا إنجاز معزول.
وفي المحصلة، يبدو كأس إفريقيا 2025، كما قدمه مقال الصحيفة الفرنسية، أكثر من بطولة قارية. إنها لحظة اختبار حقيقي لمفهوم الدولة القادرة في إفريقيا المعاصرة. وبين من جعل من الحدث منصة لإبراز الجدارة والفاعلية، ومن اكتفى بدور المتفرج الغاضب على التحولات، يتأكد أن الزمن الرياضي لم يعد منفصلا عن الزمن السياسي، وأن من لا يحسن قراءة الإشارات يتجاوزه قطار المستقبل أو يدهسه.



