حين يسبق الهوى الخبر… في نقد كتابات إغناسيو سيمبريرو التي تصنع الوقائع بدل أن ترويها

ليست كل رواية صحفية بحثا عن الحقيقة، كما ليست كل عبارة مشحونة بالانفعال دليلا على المهنية. فثمة صحافة لا تنقل الحدث بقدر ما تعيد هندسته، ولا تلاحق الوقائع بقدر ما تلاحق الأثر الذي تريده أن يترسخ في أذهان القراء.

ومن يتابع خربشات الصحفي الإسباني إغناسيو سمبريرو، مباشرة بعد توقيف رفيقه علي المرابط بمطار طنجة بناء على عدة برقيات بحث كانت قد صدرت في حقه، يدرك أن الرجل لا يكتفي بوصف الأحداث، بل يحرص، في كل مرة، على أن يكسوها الثوب الذي ينسجم مع السردية التي آمن بها منذ زمن، حتى وإن ضاقت بها الوقائع واتسعت عنها الحقائق.

ما إن حط علي المرابط الرحال بمطار طنجة حتى كانت القصة جاهزة، والعنوان مكتمل البناء، و “الضحية” قد رُسمت ملامحها قبل أن يجف حبر الخبر. لم يكن المطلوب تفسير ما جرى، ولا مساءلة سياقه القانوني، ولا استحضار الخلفيات التي قد تساعد القارئ على الفهم، بل كان المطلوب إنتاج مشهد مألوف: معارض يعود إلى وطنه فتلتهمه آلة الدولة. إنها وصفة قديمة، لكنها لا تزال صالحة في بعض غرف التحرير “الأجنبية” التي تعشق الإثارة أكثر مما تعشق الحقيقة.

غير أن الصحافة “المتحاملة”، حين تختزل الواقع في صورة واحدة، لا تكون شاهدة عليه، بل تصبح شريكا في تزويره. ذلك أن أخطر ما يمكن أن يمارسه الصحفي ليس الكذب الصريح، وإنما انتقاء الحقيقة حتى تبدو نصف حقيقة، لأن نصف الحقيقة، في كثير من الأحيان، أكثر تضليلا من الكذب نفسه. وما يُحذف من الوقائع قد يكون أبلغ أثرا مما يُنشر منها.

إن أي معالجة مهنية تقتضي أن يُعرض الحدث في مجمله، بما له وما عليه، وأن يتم الفصل بين الموقف السياسي والمسار القانوني، وبين حرية التعبير والمسؤولية القانونية إذا كانت هناك دعاوى أو إجراءات قضائية قائمة. أما القفز فوق هذه العناصر والاكتفاء بصورة درامية مكتملة الأركان، فلا يخدم القارئ، بل يخدم الرواية وحدها.

وليس خافيا أن بعض الأقلام الأوروبية لا تزال تنظر إلى المغرب من خلال عدسة لا ترى إلا ما يؤكد قناعات “الأستاذية” المقيتة. فإذا تحركت المؤسسات، قيل إنها تُضَيق. وإذا طبقت القانون، صُوِّر الأمر على أنه تصفية حسابات. وإذا صمتت، اتُّهمت بالعجز. إنها معادلة لا يربح فيها الواقع أبدا، لأن الحكم يصدر قبل الاطلاع على الملف، والإدانة تسبق المرافعة، والرواية تسبق الخبر.

الأشد إثارة للتساؤل أن هذه الحماسة المتدفقة في الدفاع عن “حرية تعبير” المرابط المنفلتة عن الضوابط، لا تبدو بالوهج نفسه حين يتعلق الأمر بملفات أخرى في الجوار الإقليمي. هنا يصبح الصمت لغة، والتريث حكمة، وتغدو المبادئ أقل استعجالا. وهذا التفاوت في الاهتمام يطرح سؤالا مشروعا حول معايير الانتقاء: هل المعيار هو قيمة الحرية، أم قيمة الجغرافيا السياسية؟ وهل الضمير الصحفي يقيس القضايا بميزان واحد، أم أن له موازين متعددة تتغير بتغير العواصم؟

ليست الصحافة محكمة، لكنها أيضا ليست غرفة عمليات لإنتاج الانطباعات. وحين يتحول البوح الصحفي “المتحيز” إلى بيان سياسي مقنع، ويغدو العنوان حكما لا مدخلا إلى النقاش، فإن القارئ لا يعود أمام ممارسة مهنية رصينة، بل أمام فعل تعبوي يرتدي عباءة الصحافة.

إن قوة الصحفي لا تقاس بقدرته على إثارة الضجيج، وإنما بقدرته على مقاومة إغراء السردية الجاهزة. فالحقيقة لا تُبنى بالانتقاء، ولا تُصنع بحذف ما يُربكها، ولا تُخدم حين يُختزل الواقع في ثنائية ملائكية بين جلاد وضحية. تلك حرفة الدعاية لا رسالة الصحافة.

ولعل أخطر ما يهدد المهنة اليوم ليس الرقابة وحدها، بل أيضا أولئك الذين يمارسون رقابة من نوع آخر: رقابة على الوقائع نفسها، ينتقون منها ما يُوافق قناعاتهم، ويطوون ما عداها في صمت بليغ. وعندئذ، لا يعود السؤال: ماذا وقع؟ بل يصبح: أي رواية نريد للناس أن يصدقوها؟

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى