تمارة.. بقعة أرضية تتحول إلى مرأب عشوائي بدل أن تكون متنفساً أخضرا للساكنة

في الوقت الذي تحتاج فيه الأحياء السكنية إلى فضاءات خضراء ومتنفسات تتيح للأسر والأطفال فرصة الاستراحة بعيداً عن ضجيج الشوارع واكتظاظ العمران، تعيش ساكنة العمارات المطلة على مدار القروش بمدينة تمارة على وقع وضع مختلف تماماً؛ بقعة أرضية فارغة تحولت إلى مرأب عشوائي للشاحنات وآلات الحصاد ومختلف المركبات، لتصبح مصدر إزعاج يومي بدل أن تكون فضاءً يساهم في تحسين جودة العيش بالمنطقة.
المشهد لا يتعلق بمجرد مركبات متوقفة في أرض فارغة، بل بتداعيات استغلال غير ملائم لمجال يوجد وسط محيط سكني. فمنذ سنوات، يواجه السكان ضجيج محركات الشاحنات التي تشتغل منذ الساعات الأولى من الصباح، وتطاير الغبار، وتراكم النفايات، وانتشار الكلاب الضالة، فضلاً عن عمليات تغيير الزيوت والإصلاحات الميكانيكية التي تتم بعين المكان، في ممارسات تثير تساؤلات حول شروط النظافة والسلامة واحترام راحة الساكنة.

وتزداد وطأة هذا الوضع مع المشادات الكلامية التي تنشب أحياناً بين بعض أصحاب المركبات، وما يصاحبها من ألفاظ نابية، بما يحول المحيط السكني إلى فضاء يفقد تدريجياً الهدوء الذي يفترض أن تتمتع به الأسر داخل محيطها اليومي.
لكن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بما تسببه هذه الوضعية من إزعاج، بل أيضاً بكيفية تدبير الفضاءات الأرضية داخل الأحياء، وبالخيارات الممكنة لاستغلالها بما يخدم المصلحة العامة. فبدل أن تظل هذه البقعة مستغلة على هذا النحو، أليس من الأجدر التفكير في تحويلها إلى حديقة عمومية أو مساحة خضراء تمنح الحي متنفساً حقيقياً، وتوفر للأطفال والأسر فضاءً آمناً للاستراحة، وتساهم في تحسين المشهد الحضري؟

إن المدن لا تُقاس فقط بعدد المباني والطرق التي تتوفر عليها، بل أيضاً بقدرتها على توفير فضاءات للعيش الكريم، وبمدى احترامها لحاجيات سكانها اليومية. والمساحات الخضراء ليست ترفاً عمرانياً أو مجرد عنصر تجميلي، بل جزء من جودة الحياة، خصوصاً في الأحياء التي تحتاج إلى فضاءات مفتوحة تخفف من ضغط الإسمنت والضجيج والتلوث.

وفي تمارة، تضع وضعية البقعة الأرضية المطلة على مدار القروش هذا التحدي أمام الجهات المعنية: هل يستمر الوضع الحالي بما يرافقه من إزعاج ومظاهر عشوائية، أم يجري التفكير في حل يعيد الاعتبار للمحيط السكني ويجعل من هذا المجال فضاءً يخدم السكان بدل أن يثقل حياتهم اليومية؟
إن الساكنة لا تحتاج إلى بقعة تزيد من معاناتها، بل إلى محيط يحترم حقها في الهدوء والنظافة والعيش في بيئة سليمة. وقد يكون تحويل هذه الأرض إلى مساحة خضراء خطوة عملية نحو ذلك، إذا سمحت طبيعة العقار ووضعه القانوني وإمكانات التهيئة بذلك.
فإلى متى ستظل بقعة مدار القروش عنواناً للفوضى والإزعاج، بينما كان بإمكانها أن تتحول إلى متنفس أخضر يعيد للحي بعضاً من حقه في الراحة وجمالية الفضاء؟



