تمارة.. عقار خارج القدرة الشرائية وكراء يستنزف ميزانية الأسر والفوضى تؤرق شوارع المدينة
لم تعد تمارة مجرد مدينة مجاورة للرباط، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى مجال حضري يستقطب أعداداً متزايدة من السكان والمشاريع العقارية والأنشطة التجارية. ووفق نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، يناهز عدد سكان جماعة تمارة 297 ألف نسمة، وهو نمو ديموغرافي يفرض على المدينة تحدياً واضحاً: كيف يمكن تحويل هذا التوسع إلى تنمية حقيقية بدل أن يتحول إلى ضغط متزايد على المجال والخدمات؟
فالمدينة تكبر بسرعة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو ما إذا كانت وتيرة تجهيزها وتنظيمها تسير بالسرعة نفسها. فارتفاع عدد السكان واتساع البناء لا يعنيان بالضرورة تحسن جودة الحياة، خصوصاً عندما تستمر مظاهر الضغط على الطرق والأرصفة والملك العمومي والمرافق والفضاءات الخضراء.
العقار يرتفع.. والسكن يتحول إلى عبء
يعد العقار أحد أبرز المستفيدين من التحول الذي تعرفه تمارة. فموقع المدينة وقربها من الرباط والطلب المتزايد على السكن جعلاها سوقاً عقارية نشطة، فيما ساهمت المشاريع السكنية المتتالية في رفع قيمة العقارات.
وبحسب معطيات متداولة في السوق، تتراوح أسعار الشقق في عدد من المناطق بين 12.500 و20.000 درهم للمتر المربع، بحسب الموقع والمساحة وجودة البناء والتجهيزات. وبذلك قد تصل شقة بمساحة 80 متراً مربعاً إلى ما بين مليون و1.6 مليون درهم، دون احتساب مصاريف التسجيل والتحفيظ والموثق.
هذه الأسعار تضع المواطن أمام معادلة صعبة: مدينة قريبة من العاصمة وتوفر فرصاً للسكن والاستقرار، لكن بتكلفة أصبحت تفوق قدرة شرائح واسعة من الأسر. ولم يعد السؤال مرتبطاً فقط بارتفاع الأسعار، بل بمدى انسجام هذه الأسعار مع القدرة الشرائية للسكان.
وفي هذا السياق، يبرز ملف ما يعرف بـ«النوار». ووفق مصادر عليمة، تحدث بعض الراغبين في اقتناء شقق عن مطالبتهم “جهراً ” بأداء مبالغ إضافية خارج السعر المعلن أو خارج المبالغ الواردة في الوثائق المرتبطة بالمعاملة من أجل إتمام عملية البيع من طرف المنعشين العقاريين. وفي حالة الرفض يتم إلغاء الصفقة بدعوى أن الثمن المعلن للعقار لا يواكب غلاء أسعار مواد البناء والمصاريف المصاحبة له.
ومثل هذه الممارسات، في حال ثبوتها، لا تمثل مجرد زيادة في تكلفة السكن، بل تثير إشكالات تتعلق بشفافية المعاملات والتصريح بالقيمة الحقيقية للصفقات والالتزامات الجبائية وحقوق المشتري.
أما من اختار الكراء، فلا يبدو أنه أمام وضع أفضل. فالسومة الكرائية المتداولة في عدد من مناطق المدينة تتراوح بين 4.000 و8.000 درهم شهرياً، بحسب الموقع ونوعية السكن. وهكذا يجد جزء من السكان أنفسهم أمام سوق عقارية مرتفعة الكلفة، سواء تعلق الأمر بالشراء أو بالكراء.
المفارقة أن قيمة العقار ترتفع، بينما يبقى السؤال مفتوحاً حول مدى استفادة المدينة نفسها من هذه الدينامية، وحول ما إذا كان الاستثمار العقاري يواكبه استثمار مماثل في جودة المجال الحضري.
مدينة تتوسع.. لكن الفوضى تظهر في التفاصيل اليومية
المشاكل التي تواجه سكان تمارة لا ترتبط بالعقار وحده. فالتوسع العمراني يرافقه ضغط واضح على عدد من مكونات المجال الحضري، من الطرق والأرصفة إلى حركة السير وتنظيم الأنشطة التجارية.
وفي هذا الإطار، هناك العديد من الأحياء في حاجة ماسة إلى إعادة صيانة أرصفتها غير المهيأة أو المتضررة، بينما يضطر الراجل أحياناً إلى استعمال الطريق بسبب غياب ممر آمن أو احتلال الرصيف. والمشكلة هنا ليست جمالية فقط، بل ترتبط مباشرة بسلامة المواطنين، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالأطفال وكبار السن والأشخاص في وضعية إعاقة.
وتزداد الصورة تعقيداً مع انتشار لوحات إشهارية بشكل عشوائي في عدد من الأزقة والشوارع، بما يؤثر في المشهد الحضري ويطرح تساؤلات حول شروط الترخيص ومراقبة احترام الضوابط المنظمة للإشهار في الفضاء العام.
كما تعرف بعض المحاور انتشار عربات متنقلة لبيع الخضر والفواكه، تتخذ من جوانب الطرق والأرصفة مواقع لها، الأمر الذي يؤدي في بعض الحالات إلى تضييق المساحات المخصصة للراجلين وعرقلة حركة السيارات، خصوصاً في المناطق التي تعرف كثافة تجارية وسكانية مرتفعة.
هذه التفاصيل قد تبدو منفصلة، لكنها تكشف مشكلة واحدة: تدبير المجال الحضري لم يعد يواكب تعقيد مدينة يتزايد عدد سكانها وتتوسع أنشطتها باستمرار.
فحين تصبح الأرصفة غير صالحة للاستعمال، والإشهار عشوائياً، وبعض الأنشطة التجارية تستغل الطريق أو الرصيف، فإن الأمر يتجاوز حالات فردية ليطرح سؤالاً حول نجاعة المراقبة وقدرة المدينة على فرض قواعد واضحة على الفضاء العام.
المقاهي والملك العمومي.. عندما يصبح الرصيف امتداداً للنشاط التجاري
من بين أكثر الملفات إثارة للجدل في مدينة تمارة مسألة احتلال الملك العمومي، خصوصاً أمام المقاهي وبعض المحلات التجارية. ففي عدد من الشوارع، تتحول أجزاء من الأرصفة إلى امتداد للنشاط التجاري من خلال الطاولات والكراسي والتجهيزات المختلفة.
المشكلة ليست في النشاط التجاري بحد ذاته، وإنما في حدود استعمال الفضاء المشترك. فالمدينة تحتاج إلى اقتصاد نشط ومقاهٍ ومحلات تجارية، لكنها تحتاج أيضاً إلى أرصفة مفتوحة وآمنة للمواطنين.
وإذا كان الاستغلال مرخصاً، فإن احترام حدود الترخيص يفترض أن يكون واضحاً وقابلاً للمراقبة. أما عندما يتجاوز الاستغلال المساحات المسموح بها، فإن الرصيف يتحول عملياً إلى مساحة خاصة على حساب حق عمومي.
وتزداد حساسية الملف مع ما يثار حول بعض المقاهي من معطيات تتحدث عن ممارسات مرتبطة بالدعارة أو أنشطة تتجاوز طبيعة النشاط التجاري المعلن. وهي معطيات تستوجب، إذا كانت هناك مؤشرات جدية بشأنها، مراقبة ميدانية فعلية من الجهات المختصة، بدل ترك المجال للشائعات أو لتحول بعض الممارسات إلى أمر واقع.
فحسب ما يتم تداوله في الصفحات المهتمة بالشأن المحلي لمدينة تمارة على شبكات التواصل الإجتماعي، فإن العديد من أرباب المقاهي المتواجدين على طول إمتداد شارع محمد الخامس، يتنافسون على إستقطاب فتيات جميلات لتشغيلهم كنادلات بشروط من بينها، ارتداء ملابس مثيرة وخادشة للحياء، وذلك من أجل جلب عدد كبير من الزبناء.وهذا ما يتنافى مع الأخلاق العامة ومع دفتر التحملات الخاص بالمقاهي.
ولا يمكن بطبيعة الحال تعميم هذه المعطيات على جميع المقاهي، إذ إن أغلبها يمارس نشاطه بشكل عادي. لكن وجود تساؤلات متكررة حول بعض الفضاءات يجعل المراقبة المنتظمة أمراً ضرورياً، ليس فقط لحماية النظام العام، وإنما أيضاً لضمان تكافؤ القواعد بين مختلف المهنيين.
وفي ذات السياق، تبرز مناطق تجارية، من بينها شوارع ” القاهرة”،”المسيرة 1 “، “المسيرة 2 “… كفضاءات تحتاج إلى تنظيم مستمر بسبب كثافة الأنشطة وحركة الراجلين والسيارات. فكلما ارتفعت كثافة النشاط التجاري، أصبحت الحاجة أكبر إلى مراقبة الملك العمومي وتنظيم السير واحترام شروط الاستغلال.
الإسمنت يتقدم.. فأين نصيب السكان من المساحات الخضراء؟
في مدينة تتوسع بهذا الشكل، لا يمكن اختزال التخطيط الحضري في بناء المزيد من المساكن. فكل توسع عمراني يرفع الحاجة إلى الحدائق والملاعب والفضاءات المفتوحة والمرافق الرياضية والترفيهية.
غير أن السؤال الأساسي يبقى مطروحاً: هل تنمو هذه المرافق بالوتيرة نفسها التي ينمو بها العمران؟
فالمدينة التي تضم مئات الآلاف من السكان تحتاج إلى متنفسات حقيقية، وليس فقط إلى عمارات وطرق ومواقف للسيارات. الأطفال يحتاجون إلى أماكن آمنة للعب، والشباب إلى فضاءات رياضية، والأسر إلى حدائق يمكنها أن تخفف من ضغط الحياة داخل مجال حضري كثيف.
ومن هنا، فإن نجاح أي سياسة عمرانية لا ينبغي أن يقاس بعدد الوحدات السكنية التي تم تشييدها، بل أيضاً بمدى قدرتها على إنتاج مدينة قابلة للعيش.
الرهان الحقيقي لتمارة .. هل تواكب الحكامة سرعة النمو؟
تمارة اليوم أمام تحدٍ يتجاوز إصلاح طريق أو رصيف أو تنظيم نشاط تجاري. التحدي يتعلق بكيفية إدارة مدينة تغيرت تركيبتها السكانية والعمرانية خلال فترة زمنية قصيرة.
فالمطلوب رؤية متكاملة تربط بين العقار والنقل والطرق والملك العمومي والمرافق والمساحات الخضراء. كما أن توزيع الاستثمارات بين الأحياء يحتاج إلى تصور واضح يمنع اتساع الفوارق في مستوى التجهيز والخدمات.
وهنا تبرز مسؤولية مجلس جماعة تمارة والجهات المختصة، كل في حدود اختصاصه، في تقديم أجوبة عملية عن عدد من الأسئلة التي تهم الحياة اليومية للسكان: كيف تتم مراقبة احتلال الملك العمومي؟ كيف ينظم الإشهار في الشوارع؟ كيف يتم التعامل مع العربات المتنقلة التي تعرقل حركة السير؟ وما هي الإجراءات المتخذة لتحسين الأرصفة والطرق؟ وكيف تواكب المرافق العمومية التوسع السكاني؟
كما أن الملفات المرتبطة بالسوق العقارية تحتاج إلى مزيد من الشفافية، خصوصاً ما يتعلق بالممارسات التي يثار بشأنها جدل حول الأداءات غير المعلنة. فالسكن ليس مجرد سلعة، وإنما حق يرتبط بالقدرة على الاستقرار وتحمل تكاليف المعيشة.
وفي المقابل، فإن الحديث عن الاستثمار العقاري لا ينبغي أن يتحول إلى خطاب معادٍ للمشاريع. فتمارة تحتاج إلى الاستثمار وإلى البناء، لكنها تحتاج قبل ذلك إلى أن يكون هذا الاستثمار جزءاً من تصور حضري متكامل، لا أن يسبق تجهيز المدينة أو يضاعف الضغط على مرافقها.
تمارة تملك كل المؤهلات لتكون قطباً حضرياً قوياً بفضل موقعها وقربها من الرباط وحجمها السكاني وديناميتها الاقتصادية. لكن نجاحها لن يقاس بعدد العمارات الجديدة ولا بسعر المتر المربع، وإنما بقدرة المسؤولين على تحويل هذا النمو إلى مدينة منظمة، تتوفر على طرق وأرصفة ومرافق ومساحات خضراء وخدمات توازي حجم التحول الذي تعرفه.
فالرهان الحقيقي ليس أن تصبح العقارات في تمارة أكثر غلاءً، بل أن تصبح المدينة نفسها أكثر قيمة. قيمة تقاس بجودة الحياة، واحترام الملك العمومي، ونظافة الفضاءات، وسلامة الطرق، وتنظيم الأنشطة التجارية، وتكافؤ الفرص، ووضوح القواعد.
وإذا كانت تمارة قد دخلت مرحلة جديدة من نموها العمراني والديموغرافي، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى انتقال موازٍ في مستوى الحكامة والتخطيط. فالمدينة التي تتوسع بسرعة لا يمكن أن تظل تدار بالأدوات نفسها التي كانت مناسبة لمدينة أصغر حجماً وأقل تعقيداً. وهنا تحديداً يوجد الاختبار الحقيقي: هل تستطيع تمارة أن تجعل من نموها فرصة للتنمية، أم أن تتحول الطفرة العمرانية إلى ضغط أكبر على سكانها؟



