شبكات إجرامية ومخدرات وعمليات اغتيال.. عميل فرنسي يكشف تفاصيل تعاون سري بين المخابرات الإيرانية والجزائرية

كشف ماثيو غديري، العميل السابق في جهاز مكافحة التجسس الفرنسي، عن تفاصيل ما وصفه بتعاون سري ومتدرج بين أجهزة الاستخبارات الإيرانية والجزائرية، يقوم على تبادل الخدمات والوسائل العملياتية، والاستفادة من شبكات الجريمة المنظمة في أوروبا، وتسهيل التحرك داخل إفريقيا والساحل، إلى جانب استخدام قنوات مالية وتجارية غير رسمية لتمويل الأنشطة السرية.

وقال غديري، في الجزء الثاني من حواره مع Le360، إن المهمة التي أوكلتها إليه مديرية مراقبة التراب الفرنسية منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي كانت تقوم على اختراق أجهزة المخابرات الإيرانية، وفهم طريقة اشتغالها، ورصد أهدافها في أوروبا، وتحديد عملائها النشطين والنائمين على الأراضي الفرنسية، موضحا أن هذا العمل أتاح لاحقا كشف جانب من الصلات التي تطورت بين طهران والأجهزة الجزائرية.

وبحسب شهادته، اعتمدت إيران في سنواتها الأولى على جماعات أجنبية وشبكات قائمة في أوروبا لتنفيذ عمليات اغتيال واختطاف ومهام سرية، قبل أن تبني خلال التسعينيات شبكاتها الخاصة. غير أن اعتقال عدد من عملائها وكشف بنياتها دفع طهران إلى تغيير أسلوب العمل والبحث عن أدوات أقل ارتباطا بها بشكل مباشر.

وتوقف غديري عند ملف الاغتيالات التي استهدفت معارضين إيرانيين في أوروبا، باعتباره أحد أبرز مجالات العمل السري لطهران في تلك المرحلة. واستشهد خصوصا بحالة شابور بختيار، آخر رئيس وزراء في عهد الشاه، الذي نجا سنة 1980 من محاولة اغتيال نفذها كوماندو يقوده اللبناني أنيس النقاش لحساب طهران، قبل أن يُغتال في فرنسا سنة 1991.

وبحسب غديري، اعتمدت الاستخبارات الإيرانية في عدد من هذه العمليات على وسطاء وعملاء جرى زرعهم أو تجنيدهم داخل محيط الأهداف، قبل أن تدفع عمليات الاعتقال وكشف الشبكات طهران إلى البحث عن أساليب أكثر تمويها وأقل ارتباطا المباشر بعناصرها.

وأوضح غديري أن نقطة التحول برزت خصوصا ابتداء من سنتي 2004 و2005، عندما بدأت الأجهزة الإيرانية، بحسب قوله، في الاعتماد بصورة أكبر على أجهزة دول صديقة، من بينها الجزائر، للوصول إلى شبكات محلية وإجرامية يمكن استخدامها في تنفيذ عمليات داخل فرنسا ودول أوروبية أخرى.

وقال إن طهران رأت في الأجهزة الجزائرية وسيلة فعالة للوصول إلى أوساط من الجريمة المنظمة الجزائرية المنتشرة في فرنسا وأوروبا، بالنظر إلى معرفة هذه الأجهزة بتلك الشبكات وقدرتها، وفق شهادته، على مراقبة بعض عناصرها أو الوصول إليهم أو توجيههم.

وأكد أن هذه الطريقة سمحت للإيرانيين بالاستعانة بمجرمي حق عام ليست لديهم بالضرورة أي علاقة أيديولوجية بالجمهورية الإسلامية، مقابل المال، لتنفيذ مهام يمكن أن تشمل مراقبة أهداف، ونقل معدات، وتوفير أسلحة أو وثائق مزورة، أو تنفيذ عمليات أكثر حساسية.

ويمنح هذا الأسلوب، وفق غديري، طهران هامشا واسعا للتنصل من المسؤولية، إذ يمكن عند انكشاف أي عملية تقديمها باعتبارها تصفية حسابات أو جريمة عادية لا صلة لها بنشاط استخباراتي أو سياسي، عوض المخاطرة بإرسال عملاء إيرانيين يمكن أن يقود توقيفهم إلى كشف شبكات أوسع.

وأضاف أن الأجهزة الجزائرية أدت، في هذا النموذج، دور حلقة الوصل بين الاستخبارات الإيرانية وبعض الأوساط الإجرامية ذات الامتداد الجزائري في أوروبا، مقابل مصالح سياسية أو أمنية أو عملياتية تحصل عليها الجزائر في ملفات أخرى.

وأشار غديري في هذا السياق إلى وجود وثيقة سرية قال إنها ستصدر ضمن كتاب مرتقب للصحفيين إيمانويل رازافي وجون-ماري مونتالي، وتتعلق، بحسب وصفه، بإطار التعاون بين الاستخبارات الإيرانية والجزائرية والتسهيلات التي تتيحها الأخيرة للوصول إلى أوساط من الجالية الجزائرية في فرنسا.

ولا يتوقف التعاون الذي تحدث عنه عند الساحة الأوروبية. فقد أكد غديري أن العلاقة بين الجهازين تقوم على تبادل الخدمات في ملفات متعددة، من بينها البوليساريو، حيث تسمح الجزائر، حسب روايته، لطهران وحزب الله بالوصول إلى الحركة، بينما توفر إيران التمويل والتدريب والمعدات والخبرة في الحرب غير المتكافئة.

وأضاف أن البوليساريو تحولت، في هذا التصور، إلى إحدى أدوات اختراق منطقة الساحل، مستفيدة من العلاقات والشبكات الموجودة هناك، فيما تساعد الأجهزة الجزائرية فيلق القدس على توسيع اتصالاته داخل إفريقيا جنوب الصحراء، عبر تقديم المعلومات أو تسهيل الوصول إلى شبكات محلية.

ويبرز الجانب المالي، بدوره، كأحد المحاور الأساسية في شهادة غديري. فقد قال إن الأنشطة الخارجية الإيرانية لا تمول فقط عبر موارد رسمية أو تبرعات، بل تعتمد أيضا على منظومة واسعة من الشركات الوهمية، ومكاتب الصرف، والشبكات التجارية والتحويلات غير الرسمية، بما يسمح بتحريك الأموال خارج النظام البنكي الدولي وتجنب المراقبة والعقوبات.

وبحسب غديري، أنشأ الحرس الثوري شركات واجهة في عدة دول، من بينها الإمارات وقطر وتركيا وهونغ كونغ وماليزيا وإندونيسيا، تنشط ظاهريا في الاستيراد والتصدير، بينما تستخدم أيضا في بيع منتجات إيرانية أو شراء معدات وتحويل أموال لفائدة شبكات مرتبطة بالنظام.

وتحدث كذلك عن إنشاء عشرات مكاتب الصرف، خصوصا في دبي وتركيا وقطر وهونغ كونغ، تستخدم، حسب قوله، في نقل الأموال وتسوية المعاملات التي يصعب تمريرها عبر النظام المالي الدولي بسبب العقوبات المفروضة على إيران.

أما في إفريقيا، فأوضح أن هذه البنية المالية ليست جديدة، بل تعود إلى عقود، وتعتمد على شركات وواجهات تجارية وشبكات من رجال الأعمال والجاليات اللبنانية، إلى جانب التحويلات النقدية وحقائب الأموال، مع تقسيم حلقات العملية عمدا حتى يصعب تتبع مسارها وإعادته مباشرة إلى فيلق القدس.

وكان من أبرز ما كشفه غديري في هذا الجانب قوله إن جزءا من تمويل الأنشطة السرية الإيرانية يرتبط بعائدات الجريمة المنظمة وتجارة المخدرات. ووفق المعلومات التي يقول إنه اطلع عليها، نسج فيلق القدس وحزب الله علاقات مع شبكات إجرامية في أمريكا الجنوبية، واستُخدمت بعض هذه الشبكات في تهريب الكوكايين ونقله نحو أوروبا.

وأضاف أن مداخيل هذه الأنشطة تستخدم، بحسب شهادته، في تمويل عمليات سرية ومنظمات حليفة وبرامج عسكرية، بما يجعل الجريمة المنظمة جزءا من البنية غير الرسمية التي تعتمد عليها طهران في تمويل سياستها الخارجية وأذرع نفوذها.

وفي المقابل، شدد غديري على أن التعاون بين الجزائر وإيران لا يعني وجود ثقة كاملة بينهما. فبحسب تقديره، يراقب كل طرف الآخر ويحرص على الاستفادة منه دون السماح له باكتساب نفوذ مستقل أو غير قابل للسيطرة.

وأشار في هذا السياق إلى أن الرئيس الجزائري الراحل عبد العزيز بوتفليقة أبدى، بحسب معلوماته، قلقا من تنامي التأثير الإيراني داخل الجزائر، خصوصا بعد عودة جزائريين أمضوا سنوات في مدينة قم وتلقوا تكوينا دينيا وسياسيا قبل العودة إلى بلادهم.

وترسم شهادة غديري في الجزء الثاني من حواره مع Le360 صورة لتعاون استخباراتي يتجاوز التنسيق السياسي التقليدي إلى منظومة أكثر تعقيدا، تتقاطع فيها الأجهزة الرسمية مع شبكات الجريمة المنظمة، والواجهات التجارية، ومكاتب الصرف، وقنوات تحويل الأموال، وامتدادات في الساحل وإفريقيا وأوروبا، مع اعتماد متبادل بين طهران والجزائر تحكمه المصلحة بقدر ما تحكمه الريبة والحذر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى